الفكر الإستراتيجي المزعوم..التَيئيسُ النّفسيّ الاستراتيجيّ.. وزعزعة ‘الهويّة‘ الوطنيّة.. و‘الهوّيّة‘ التاريخيّة.. و‘خرافات ‘المُحَال: د. بهجت سليمان

2017-07-19 10:19 AM للنقاش
الفكر الإستراتيجي المزعوم..التَيئيسُ النّفسيّ الاستراتيجيّ.. وزعزعة ‘الهويّة‘ الوطنيّة.. و‘الهوّيّة‘ التاريخيّة.. و‘خرافات ‘المُحَال: د. بهجت سليمان
أثارت الحرب السّوريّة زوبعةً من شَهوات السّاسة "المحترفين"، وهُوَاةِ السّياسة، وأصحاب المقالات السّياسيّة ممّا سمّي بالمحلّلين السّياسيين الاستراتيجيين والعسكريين وأصحاب دُور ومستودعات الدّراسات والبحوث، حتّى صار "المسرح السّياسيّ" أشبه بمكان لعرضِ "الكوميديات" و"الهَزْليّات" التي راجت رواجَ ثقافة الحرب الخاذلة والرّذيلة، وإعلامها "المبتور"، الأعرج، والمنكوء!
هذا مع التّنبيه منذ البداية إلى ما يُمثّله كلّ من هؤلاء من أصولٍ.. ومَرجعيّاتٍ وخلفيّاتٍ، وموجّهين ومشغّلين ومعلّمين ومستثمرين ومُرشِدين!
لقد شكّلت الحرب السّوريّة بيئة ومُناخاً نموذجيين لتجارب جميع الطّامحين المغمورين، لكي ينخرطوا في مشاريع ألقابٍ كانوا يحلمون بها، أو لا يحلمون، فحقّقت لهم الحرب فرصةً للاشتهار والذّيُوع، غير مبالين بنتائجها الأخرى التي دفعها أصحاب "القضيّة" وأولياء الدّم من السّوريين الذين أفشلوا الكثير من أهداف هذه الحرب العدوانيّة على وجودهم، فيما كان أولئكَ ينتظرون المزيد من الأحداث التراجيديّة، ليستمرّوا في "عُدوانيّتهم" المضافة المتمثّلة في الاحتفال "الثّقافيّ" والإعلاميّ الذي يعتاشون عليه. 
هذا ليس تأكيداً على المثل السّائر القائل بأن "مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد"..، كلّا ! بل هو أبشع وأحطّ تأجيجٍ للموت والدّمار والخراب في حرب كانت ومازالت تحتاجُ إلى تضحيات أبطالها، وليس إلى احتفال الضِباع بالأجداثِ والدّماء التي أهرقت ظُلماً، ومازالت، على طول امتداد زمان هذه الحرب.
وتنفيذاً لتلك الأهداف المركّبة، فلقد عمل هؤلاء "الاستراتيجيّون" بالتّوازي وجنباً إلى جنب، على تدمير سورية والسّوريّيين، متصوّرين أنّهم غير مكشوفين ولا مفضوحين، مع علمهم أن "الإعلام" هو مادة استهلاكيّة للبسطاء والعامّة من المقهورين والمتوجسين، من الجماهير السّوريّة المحترقة في قلب نار الحرب.
وفيما كانت الآلة العسكريّة المتوحّشة وأصحابها المجرمون يهتكون ويُدمّرون ويُخرّبون الوطن، كان أولئك المتشدّقون "الإستراتيجيّون" يدمّرون "ثقافة" السّوريّ القادرة على الصّبر والصّمود والأمل في الانتصار، متسلّلين إلى "وعي" وإلى "لا وعي" السّوريّ، ليدمّروا "الإرادة" الاجتماعيّة وإيمان أصحابها بالقدرة على إحباط "الجريمة" وتداعياتها وحذف مأساويّتها عن طريق التّطلّع إلى ما وراء الدّمار والخراب، حيث ينتظرنا هناك عالمنا الجديد الذي سيصنعه السّوريّ الصّابر البطل المفعم بالأمل والإصرار على "الثّوابت"..
في الوقت الذي كان فيه هؤلاء المرتزِقة الإعلاميّون "الاستراتيجيّون" والمزعومون، ينخرون القاعدة النّفسيّة والأخلاقيّة للسوري، ليجعلوا منه لقمة مُستمرَأة في فم الفتكِ المُضاف، الذي يستهدف روح السّوريّ القائمة على متانة البنيان، الذي تصنعه "السّياسة" الوطنيّة بمسؤوليّة تاريخيّة مُخلصة في وطنٍ عريق، لا يمكن أن تكون هزيمته رحلةً في هواء الحدائق والبساتين.
لقد كان أولئكِ "الثّرثارون"، وما يزالون حتّى هذه الّلحظة، يقرضون، كالجرذان، قلب الوطن وأبناء الوطن، بدهاءٍ ولؤمٍ ووحشيّة مأجورة مُجمّلة بالأكاذيب والشّعارات المُلتَبَسَة (على البعض فقط!) والمشاريع "الأجنبيّة"، وعلى وتيرة مُطّردة مع ما يُحقّق السّوريون في الميدان والسّياسة والدّبلوماسية.
والهدف، إذاً، بيّنٌ وصريح.. إنّه التّعطيل على مستقبل الإنجازات، والتّشويش على الشّكيمة القتاليّة للجيش العربيّ السّوري وآثار إنجازاته في المجتمع والسّياسة، والتّشكيكُ بدقّة المسارات السّوريّة المختلفة، وبثّ الرّعب النّفسيّ في عقول أبناء المجتمع السّوريّ عن طريق التّيئيس المنظّم للمواطنين السّوريين، الذي يعملون عليه وُفقَ قواعد "استراتيجيّة"، فعلاً، هذه المرّة!
يظهر هؤلاء بين الفينة والأخرى، بشكلٍّ منظّم ومدروسٍ، على شاشات مختلف الفضائيّات السّوريّة الرّسميّة منها وغير الرّسميّة، إضافة إلى الشّاشات العائدة إلى محطّات "صديقة" أو "حليفة" أيضاً!
ويتزامن ظهورهم على نحو لافت في كلّ مقطع زمنيّ مفصليّ، يُشكّل تغيّراً واختلافاً حقيقيين على أرض "المعركة"، بل وفي أوقات "الانتصارات" الفعليّة التي تُحقّقها القوى العسكريّة المقاتلة على الأرض في وجه الغزوالعالميّ، المتعدّد الأسماء والأدوات، لمنطقتنا في سورية على نحو خاصّ.
يتعلّق الأمرُ إذاً بفَوضى رافقت الحرب. إنّها فوضى اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة وأخلاقيّة طبيعيّة مع حربٍ يوميّة شعواء (عنيفة وفاشِيَة!) على مدى سبع سنين.
وفي مثل هذه البيئة وهذا المُناخ وهذا الفضاء، يكثُرُ المستنزفون للجسَد الذي أضعفته الحرب على التوالي وباستمرار. إنّه جسد الوطن الذي يُستنزفُ في الاجتماع والاقتصاد والسايكولوجيا والثّقافة والرّوح والتّكوين..
وقد توفّرت مناسبة نادرة للمتصيّدين أن يسبحوا في سيول الخوف والدّمار والدّماء والأهداف الشّخصيّة و"غير الشّخصيّة"، الأخرى، المفضوحة لآخرين!
والّلافت أيضاً في الأمر هو أنّ من نتحدّث عنهم، من "الاستراتيجيين" المزعومين، لا يربطهم بسورية أيّ رابط على الإطلاق، وهم يعملون لصالح "برامج" و"مشاريع" و"منهجيّات" إقليميّة وعالميّة لها أهدافها وأطماعها المعروفة والمفهومة في سورية. إنّهم غُرَباءُ عن سورية في الانتماء المباشر والهويّة الشّخصيّة، كما في التّربية الوطنيّة والمعاناة والهويّة الوطنيّة، في وقت واحد.
يُكرّسُ أولئكَ استباحةً تاريخيّة للمواطَنَة السّوريّة ومقوّماتها وعناصرها، تلك التي كانت أن افتتحتْها الحرب. لقد اختلطت في الحرب السورية مشاريعُ مختلف الوكلاء والأصلاء في أشكالٍ مُستحدثة ونادرة من الحرب العنيفة والحرب النّاعمة في آنٍ معاً..
وقد حان الوقتُ، في زعم هؤلاء -"الاستراتيجيين"!- للانقضاض على ما تبقّى للسّوريين من عوامل وأسباب التّماسك والتّمسّكِ بالهويّة الوطنيّة التي تحمّلت ما لا تحتمله الجبالُ من محاولات التّمزيق والتّفتيت والإفناء.
ينطلق أولئك "الثّرثارون" الذين يهجمون على الجسدِ السوريّ الذي يتوهّمونه (ويرغبونه بطبيعة الحال!) جثّة هامدة، من منطلقات مفضوحة - كما قلنا – ولو أنّه ما يزال يتوفّر لها أوساطٌ هزيلة من المُريدين ومحتضني هذا التّبشير السّياسيّ العدوانيّ الدنيء.
وفيما يعمل هؤلاء على التّبشير السّياسيّ الإقليميّ والعالميّ، من أجل زعزعة وتفتيت الرّوابط السّياسيّة السّوريّة، فإنّهم يُشوّهون حقائق الصّراعات الإقليميّة المعاصرة والمتّصلة والمستمرّة والممتدّة من "الخليج" ( العربيّ- الفارسيّ ) حتّى البحر الأبيضِ المتوسّط..، وعلى كامل ما يُسمّى "إقليم بلاد الشّام".
لم نكن لنتناول هؤلاء أو نقف عندهم بالانتباه والنّقد لولا خطورة ما يبثّونه من سموم سياسيّة، تترافق مع التّحوّلات الدراماتيكيّة في أرض المعركة والانهيارات الجغرافيّة والانزياحات الاستراتيجيّة في نتائج الحرب، والتي تتعدّى المفهوم العسكريّ إلى المفاهيم السّياسيّة والإقليميّة التي تتعلّق بالهويّة السّوريّة جغرافيّاً وتاريخيّاً وتكوينيّاً وبِنيويّاً أيضاً.
يُمكننا، إذاً، استعادة فاتحة الحديث في تناول مظاهر تلك "التّيئيسيّة" التي يعمل عليها هؤلاء، لتحطيم إرادة السّوريين.
تنطلقُ هذه "المؤامرة" ( نعم هي هنا مؤامرة وخسّيسة أيضاً! )، من فرضيّةٍ مغلوطةٍ وتافهة: إنّهم يفترضون سورية اليوم مكاناً أو فراغاً أو فضاءً استراتيجيّاً سياسيّاً فارغاً، أو مُستباحاً، نموذجيّاً لتحقيق تحويراتٍ ثقافيّة وسياسيّة فيه، في القناعات والمفاهيم والمعتقدات الوطنيّة، لخدمة جميع "أطراف" الصّراع.. باستثناء "السّوريين".. الذي هم المحور والمادّة والقلب و"المِحْرَقة" (نعم: بَايَرْ- Pyre! )، في هذا الصّراع.
لقد وصلَ الأمرُ بهؤلاء على التّجرُّؤِ حتّى على التّدخّل والعَبثِ (الّلغبَصَة! ) بالمكوّنات "الجينيّة" الاجتماعيّة والتّاريخيّة والثّقافيّة السّوريّة (وهم غيرالسّوريين!)، وإعادة العمل على توصيفها توصيفاً "عبثيّاً" مُخِلّاً بجميع تاريخ الفهم السّياسيّ للبِنيةِ الاجتماعيّة والثّقافيّة للشّعوب والمجتمعات في كل التّاريخ ومناسباته العديدة، التي تتقاطع أوتتشابه - على الأكثر! - مع ما يجري اليوم من مأثرةٍ تاريخيّة سوريّة..
هذا مع أنّني لا أعلمُ - على الأقلّ! - بأنّ أحداً قد فوّضهم بذلك، لولا إعلامٌ "داشِرٌ" وغير مسؤول.. !!؟ عندها يهبط الحديث ويسخُفُ بالمقارنة مع الحديث على "الأفكار"!
عندما لا تكون عناصر "الهويّة" القوميّة متوفّرة، فإنّ "الهويّة" الوطنيّة كفيلة بتوفير المناخ "التّاريخيّ" للالتحاق بركب "الأمم" المعاصرة، في إطار ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ كافٍ في واقعيّة و"وضعيّة" (ومنطقيّة، أيضاً!) تاريخيّة من المقوّمات المتوفّرة للقوميّة في شكلها الاجتماعيّ والثّقافيّ- على الأقلّ- ولو أن هذا وذاك غير كافيين لتكوّن "الأمّة".
وإذا كان العاملُ السّياسيّ هو العامل أو السّبب الّلازم والكافي لتشكّل الأمم من القوميّات، فهذا راجع إلى الإرادة السّياسيّة والقرار السّياسيّ المتعلّقين بالظّروف "الوضعيّة" الملموسة والمُحَدَّدة والمُحدِّدة لتكوّن "الأمّة" التي هي بتعبير حقوقيّ وقانونيّ وسياسيّ آخر تُسمّى "الدّولة القوميّة".
وأمّا أن يقوم "الفكر الاستراتيجيّ" المُرتزِق والعامل لصالح "الآخر" من "الإمبراطوريّات" التّقليديّة في "المنطقة"..، بتحطيم فكرة "الوطنيّة" السّياسيّة بذريعة عدم توفّر أسباب "الدّولة القوميّة" أو "الأمّة" بالمفهوم السّياسيّ، فهذا قلبٌ مُنكَرٌ للمفاهيم والوعي، واعتداء على "العقل السّياسيّ" الوطنيّ، في مركز "القرار" وفي أطراف استصناع "القرار" في آنٍ معاً. 
إنّه مساهمة في "الاستراتيجيّة الإسرائيليّة" التي "دأبت"(!) عليها (إسرائيل) منذ قيامها عام 1948م، حيث شملت هذه "الاستراتيجيّة"، وما تزال، التّدخّل المباشر والسّافر، وغير المباشر أيضاً، في تفتيت الدّول العربيّة وتفجيرها من الدّاخل.
ولعلّ العبث في مفهوم "الهوّيّة"، وآثاره، مساهمة مباشرة في "الاستراتيجيّة الإسرائيليّة" في المنطقة، وخدمة لها مباشرة وغير مباشرة، سواءٌ قصد "هؤلاء" أم لم يقصدوا إلى ذلك...!!؟
إنّ "الدّيماغوجيّة" السّياسيّة التي يُسوّقها "هؤلاء"، في صيغة أفكار شعبويّة (وشعوبيّة!) تدغدغ الأوهام الانفصاليّة عند "مكوّنات" الشّعب السّوريّ (وربّما غيره، أيضاً: أعني مثال العراق!)، تلك المكوّنات الوطنيّة والقوميّة والعرقيّة والدّينيّة والطّائفيّة مجتمعةً، في إثارةٍ خطيرة لتقسيم "المكان" ونزع "هوّيّته" بالقوّة وبالعنف "الثقافيّ"..، وجعله "رِمّة".. ولكنْ غير هامدة.. (!!؟)؛ إنّما هي الجُزء الثّاني- وربّما الأهمّ- من "المؤامرة" السّياسيّة التّاريخيّة على سورية وعلى مجمل المنطقة!
وأمّا في فلسفة "الهُويّة"، فإنّنا يمكننا أن نواجه هؤلاء بصيغة أخرى من الحديث.
يُروّجون أنّ المجتمع السّوريّ "غنيّ" بـ"نعمة" التّعدّد والتّنوّع السّياسيين، ويقرنون ذلك بالعدميّة الانتمائيّة عن طريق ضرورة تجاوز "خرافة الهويّة" كما يدّعون. 
إنّهم أمام تناقض مباشر ومفضوح.
ليسَ صحيحاً أن "التّنوّع" غنى ونعمة دائماً، في الوقت الذي يدعون فيه إلى التّبرّؤِ من الانتماء الوطنيّ أو القوميّ. في هذه الحالة يُصبح التّعدّد نقمة في غياب "الجامع" القويّ.
وفي الّلحظة التي يكون فيها على الجميع أن يستجيبوا لدعوة هؤلاء لأن يتخلّوا عن وحدتهم الوطنيّة أو القوميّة الجامعة التي هي جوهر "الهويّة" التّاريخيّة، فإنّ الجميع سيتحوّلون إلى أقرب وأسهل انتماء تعصّبيّ أو تحزّبيّ محدود وقبليّ وفئويّ، مُطَمئنٍ و"آمِن".
هكذا يتحدّى "التّعصّبُ".. "العصبيّةَ" التّاريخيّة التي هي جذرُ "الهُويّة" الحضاريّة، وهكذا تنحلّ "الهُويّة" الواحدة إلى "هُويّات" إجباريّة بديلة، مِسخَةٍ وممسوخة، ومتوتّرة وموتورة!
لا يجري الاعتراف بالانتماءات المحدودة على حساب "القوّة". "المجتمع المفتوح" الذي لا تحدّه الانقساماتُ والانفصالات، وعدد السّكان المُوَحَّدين في إطار دولة قويّة، هما من عناصر "القوّة الشّاملة" في استراتيجيّا الدّولة المعاصرة. والتّشكيك بالهويّة الجامعة تحت دعاوى "الدّيموقراطيّة" والتّشكيلات السّياسيّة الدّيموغرافيّة التّابعة والمُلحقة، هو تفتيتٌ لعناصر "الدّولة" و"القوميّة" و"الأمّة" أوما نعبّر عليها بالدّولة القوميّة.
وتحتَ غطاء دعوى "الواقعيّة" المُزيّفة تتكوّن وتنمو و"تستقلّ" مجموعاتٌ هزيلةٌ، بديلةٌ، دافعةٌ، وكافيةٌ لتأسيس "الدّولة" الوظيفيّة التي لا توجدُ إلّا كُجُرمٍ مُلحقٍ وتابعٍ للمشاريع "الإمبراطوريّة" العالميّة! لا توجد الدّولة بعدد السّكان، فقط، وإنّما لا يمكنُ أن تكون بدون "هُويّة".
لا مرَاءَ في أنّ لسورية "هويّة" تاريخيّة هي التّعليلُ أو المسوّغ الدّلاليّ الوحيدُ للنّقاشات والاجتهادات والسّياسات والخلافات والاختلافات الدّائرة، اليومَ، من أجل إعادة اكتشاف مُحدّداتها الوطنيّة أوالقوميّة.
وعندما يكون مجتمع من المُجتمعات على مُفترق طريقٍ صعبة ومعقّدة، فإنّ دور "الدّولة" الوطنيّة، السّياسي، يتعاظمُ تعاظماً نوعيّاً وشاملاً في تحرير الكوامن النّفسيّة والثّقافيّة وإطلاقها للوقاية من أيّ خطرٍ يمكن أن يُهدّد عوامل الاجتماع الوطنيّ.
وعندما يكبرُ الهجوم على "الهويّة" الوطنيّة والقوميّة، وتحت أيّ شعارٍ أو نفاق سياسيّ، فما على "الدّولة" إلّا أن تتنبّه إلى هذا الخطر الجدّي الذي لا يمكن التّسامح مع أسبابه تحت طائلة الفقدان الشّامل لأسس وجود الدّولة والمجتمع ومكانتهما التّاريخيّتين.
من غير الممكن ومن غير المقبول أن يعيش المواطن في "نصف دولة"، أو في "نصف هُويّة" أو في "نصف وطنيّة" أو في "نصف مجتمع" أو في "نصف كيان"! ..
هذه هو ما يُريده لنا أولئك "الاستراتيجيون" الهُواة.. !!؟ الاستراتيجيّات تُصنع في "الدّولة" الوطنيّة، وفي نظامها المتمرّس في السّياسة وإدراك الأهداف، وفي أجهزتها ومؤسّساتها الخبيرة بالمغزى السّياسيّ للدّولة الوطنيّة والدّولة القوميّة؛ وليس في الإعلام والتّحليل التّيئيسيين من أمل أو واقع لم يكن يوماً في قائمة هؤلاء "المرتزِقة" الغرباء! هم غرباء عن المجتمع وعن الانتماء السّوريّ وعن الجغرافيا وعن التّاريخ.
"الغريب" عن الوطن ـ حتي لو كان يحمل جنسيته ومقيماً فيه ـ ومهما كان اسمه وانتماؤه وهُويّته، لا يُمكن له أن يحمل همّ المواطن السّوريّ الذي دفع ويدفع الأثمان الباهظة والطّائلة وربّما سيدفعها، أيضاً، ولا يستطيع أن يُلقّنَ المواطن الدّروس بالوطن والهويّة والمواطنة.
في مناسبة سابقة، قلنا- هنا- إنّ الواقعة، أو الظّاهرة، هي سابقة على التّنظير عليها، أو محايثة لهذا لتّنظير..
ولكنّ "الهُويّة"- نُكرّر- مفهومٌ فلسفيّ أصليّ وقديم، يقومُ مقام "الظّاهرة" نفسها الذي جرى عليه "التّنظير"، إنْ بعده أو معه، في مفهومِ "واقعةٍ" تاريخيّةٍ، آخَر، أو "ظاهرةٍ" سياسيّة مُستقرّة هي "الدّولة" و"الوطن" أو "الأمّة" أو حتّى في "الدّولة القوميّة" الوضعيّة والواقعيّة.
أعني أنّه من الأجدى، اليوم - وللسّوريّ الحقيقي فقط، الحقّ في ذلك فقط! - أن يكون التّنظير على "الدّولة" وليس على "الهويّة".
فعلى "الدّولة" كواقعةٍ أو كظاهرةٍ اجتماعيّة وسياسيّة تاريخيّة، فقط، يمكن أن يشتغل في هذه الأثناء تنظير السّوريين، وحدهم، وذلك مهما اختلفوا؛ على ألّا ينطلقوا من تلك المنطلقات "الخطرةِ" و"المشكوك فيها" كما يجري ذلك من قبل أولئكَ "الاستراتيجيين" المدسوسين!
أخيراً، وبِقَدْرِ ما تبدو ظروف "الهويّة" السّوريّة ظرُوفاً إشكاليّة، اليوم بخاصّة، فإنّ ما يترتّب على "السّياسة" هو الذي يتعاظم كشأن من شؤون "الدّولة" ومؤسّساتها وأجهزتها ونظامها التّقنيّ في الأفكار. وعندما لا يُجيب هؤلاء المأجورون الغرباء على سؤال "الهُويّة" بنجاح وإخلاص، فإنّ الحقيقة التي لا يستطيعونها ولن يستطيعوها، أبداً، هي إدراك أنّ "الهويّة" الوطنيّة "الضّائعة" بين الأغبياء، اليوم، في سورية، إنّما هي ذلك "التّحدّي" التّاريخيّ الوجوديّ أمام الفرد السّيّد الحُرّ وأمام الجماعة المنتمية إلى ضروراتها في الاجتماع، وأمام المجتمع كأداة حضاريّة للتّقدّم، كما أمام الدّولة كقوّة لا يمكنها أن تُساومَ أمام العنف المُطبّق على وجودها السّياسي.
ومن البَديهي أن نقولَ، في النّتيجة، إنّ "الدّولة الوطنيّة" السّوريّة هي مُنتجٌ من منتجات الـ"الهويّة" العربيّة السّوريّة في التّاريخ، وليس العكس! وهي بالتّالي المسؤولة الوحيدة عن الحفاظ عليها والدّفاع عنها والقتال من أجلها بكلّ القوّة والمعرفة الشّاملتين. 
وعندما يبدو للنّاظرِ الأحمق أن ثمّة غياباً أو فقداناً للهويّة..، فعلى الدّولة وحدها تقع "أعباء" الإقناع بالعكس! ومن المفهوم أن "الإقناع" و"الشّرح" ليس كلاهما من أدوات "الدّولة" في الصّراعات على الهويّة والوجود!
تساهم الدّولة في "إنتاج" (أوقل تكريس!) الهُويّة وتُعيدُ إنتاجها في المنعطفات السّياسيّة الحادّة، في كلّ لحظة سياسيّة تشكّل تهديداً للهُويّة.
وفي هذه "المناسبة" لا تستجيب "الدّولة" لخرافات التّنظيرات الثّقافيّة السّياسيّة المتكاثرة والمتآمرة والمتكالبة على المجتمع والدّولة وعلى مشروع الوطن في "الدّولة" ولا في "القوميّة" ولا كذلك في "الأمّة"، إن لم يكن من المتاح للدّولة القوميّة، الوجود.
إنّ العيشَ ولو في "الأسطورة" و"الأمل" البعيد، هو أشرف بكثير من العيش في "ذلّ" الآخرين! هكذا، على الأقلّ، يبقى لمغزى العيش بقيّة، في "وطن".. !!؟
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي