1917- 2017 (2) شرارة اكتوبر: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

2017-10-07 00:22 AM ترجمات خاصّة
1917- 2017 (2) شرارة اكتوبر: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم
سنة 1916، نشر لينين موضوعاته الشهيرة "موضوعات حول حق الأمم في تقرير مصيرها"، وهو دون شك أحد أكثر النصوص خصباً. إن النضال من أجل التحرر الوطني سوف يدفع البروليتاريا إلى نسيان الثورة الإشتراكية، قال له رفاقه. فأجابهم لينين أن الإشتراكية تعني النضال ضد كافة أشكال الإضطهاد، وأخذ على محمل الجد مسألة حق تقرير المصير الوطني، رافضاً الأممية المجردة.
وحيث كان رفاقه يرون ذلك معركة متأخرة، كان لينين يرى فيه تحدياً ثورياً. إن من فضائل التأكيد على حق تقرير المصير تثقيف الطبقة العاملة في الأمة المهيمنة، وإكسابها المناعة ضد إغواء التعصب القومي "الشوفينية"، كما أنه يحافظ على فرص الوحدة بين الأمم التي تشكل الإمبراطورية الروسية السابقة. لقد أدى بعد النظر هذا الذي أبدته البلشفية إلى إلتحاق الحركات الوطنية بها وإلى هبوب نسمة لا سابق لها في إمبراطورية القياصرة،  "سجن الشعوب".
لا يمكننا فهم ثورة اكتوبر إذا نسينا هذا التحدي الذي أطلقه لينين في وجه الهيمنة الإستعمارية، هذا النداء من أجل الإنتفاضة ضد القوى التي تزعم أنها متحضرة والتي "تشعل حروباً لا تتم تسميتها كما هي لأنها غالباً ما كانت مذابح، في عصر تقوم فيه الجيوش الإمبريالية في أوروبا وأميركا، مزودةً بوسائل الإبادة الأكثر تطوراً، بإرتكاب المجازر ضد السكان العزل الذين لا يوجد من يدافع عنهم في الدول المستعمَرة ".
لم يخطئ أعداء البلشفية بصددها. حيث اتهمها الناشر الأميركي لوثروب ستودارد بأنها " تحفز المد الصاعد للشعوب الملونة " بتحالفها معهم ضد الغرب. بالنسبة إليه، فإن البلشفي هو "المرتد، الخائن داخل معسكرنا، والمستعد لبيع القلعة"، إنه " العدو المميت للحضارة وللعرق ". بدوره يشجب كاتب المقالات الألماني أوسفالد سبينغلر " الكراهية المشتعلة ضد أوروبا والبشرية البيضاء " التي تحرك البلشفية، وهو اتهام تم إعادة العمل به، في وقت لاحق، في الخطب النازية اللاذعة ضد "البربرية الآسيوية" للشعوب السلافية، هذه "الأعراق الدونية" التي يجب عليها أن تخضع ل "العرق الآري".
لقد كانت نظرة هؤلاء الإيديولوجيين العنصريين والرجعيين صائبة: إن البلشفية تريد تصفية الحساب مع الهيمنة الإستعمارية. بعد ضربة البداية سنة 1917، كان من المفترض أن يدور الهجوم الرئيسي للبروليتاريا في الغرب. لكن احتضار الثورة الألمانية بدد هذا السراب، وغيّر لينين من محور الهجوم الجغرافي وتنبأ بثورانه في الجنوب. "هنالك مثابرة على اعتبار الحركة في الدول المستعمَرة، حركة قومية لاوزن لها وسلمية بشكل كامل. ذلك غير صحيح. منذ بداية القرن العشرين، حصلت تغيرات عميقة، ومئات الملايين من البشر، أي الغالبية العظمى من سكان المعمورة، تعمل في الوقت الحاضر كعوامل ثورية نشيطة ومستقلة ".
دعت الأممية الشيوعية، بمجرد تأسيسها، الشعوب المستعمَرة إلى الإنتفاضة. في سنة 1919، عقد في باكو "مؤتمر شعوب الشرق". حضر المؤتمر أشخاص من جنسيات متعددة، أتراك، إيرانيون، جورجيون، أرمن، هنود، صينيون، كرد و عرب. لقد أخرجت كارثة الحرب الشعوب من سباتها الطويل، وفضحت التنافس القذر بين القوى الغربية. افتتح مؤتمر باكو مساراً تحررياً سوف يشهد بعض النكسات لكن لا يمكن مقاومته. في غياب الحريق الأوروبي الذي فقد أفقه الوعي، فضلت الشيوعية، في إطار نشرها للحريق الثوري، الإشتعال البطيء للمساحات الآسيوية الشاسعة.
انتقاماً للثورة المحاصرة، قامت موجة الصدم التي أحدثتها ثورة اكتوبر 1917 بكنس القلاع التي كانت تظن أنه لا يمكن أخذها. رغم وقوعها تحت سندان 14 دولة أجنبية حتى سنة 1921، فقد انتصرت روسيا السوفييتية على الجيوش البيضاء. ودفع الإتحاد السوفييتي 25 مليوناً ثمناً للإنتصار على النازية، حيث تسبب الجيش الأحمر بأكثر من 90% من خسائر الألمان في الحرب العالمية الثانية. وأعاد الشيوعيون الصينيون بقيادة ماوتسي تونغ توحيد واستقلال البلد الأكثر تعداداً في الكرة الأرضية. وألحق الشيوعيون الفييتناميون بالقوة الإستعمارية الفرنسية وبالغزاة الإمبرياليين الذل والمهانة. وقد لعب الإتحاد السوفييتي، بمساعدته للشعبين، دوراً حاسماً في تخليص آسيا من الإستعمار.
ومع إدانتها للديبلوماسية السرية والمناورات التي تتم من خلف ظهر الشعوب، أدانت الجمهورية السوفييتية الفتية إتفاقية سايكس-بيكو سنة 1917 وفضحت "وعد بلفور". رغم أنه نادراً ما تتم الإشارة إلى ذلك، لكن الفضل يعود إلى لينين في اكتشاف العرب أن الإمبراطورية البريطانية أعطت فلسطين للصهاينة. و بالرغم من اعترافه بدولة اسرائيل سنة 1948، إلا أن الإتحاد السوفييتي  ساند القوميين العرب في مواجهة المعتدي سنة 1956، 1967 و 1973. كما دعم النضال الذي خاضته الدول الإفريقية من أجل الإستقلال، وقدم المساعدة لكوبا في مواجهة العدوان الأميركي وأطلق رصاصة الرحمة على نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا بتقديمه الدعم الحاسم للمؤتمر الوطني الأفريقي.
داخل حدوده، كان الإتحاد السوفييتي كل شيء ما عدا كونه "امبراطورية استعمارية". كان لينين هو من اختار هذا الإسم "اتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفييتية" للدلالة على الدولة الجديدة متعددة الأعراق التي تأسست سنة 1922. وخشية من "الشوفينية الروسية" لجأ لينين إلى علماء الجغرافيا واللغات من أجل إعداد قائمة بالشعوب التي يشملها الإتحاد. تم إحصاء 172 جنسية على أساس اللغة، وبعضها تم إيحاد أبجدية لها. لم يتم أي تمييز بحق شعوب المستعمرات السابقة، بل بالعكس تم تشجيعها عن طريق ترقية النخب القومية. وعن طريق إثارة الحماسة حول وحدة "الشعب السوفييتي"، قدمت الإيديولوجيا الرسمية الترياق ضد الشوفينية الروسية والمنشط للهويات القومية في الوقت نفسه.
لكونه بعيداً عن أن يكون "امبريالياً"، نظم النظام السوفييتي عملية إنتقال الثروات من المركز إلى الأطراف. كان لهذه السياسة نتيجة متناقضة: رغم قساوة الفترة الستالينية، وبالرغم من البيروقراطية التي سيطرت على النظام، فقد لعب الإتحاد السوفييتي دور الحاضنة للدولة-القومية. لقد شجع النظام السوفييتي على ظهور- أو إعادة ظهور- أممٍ منسية، وخلق الشروط لنهضة ثقافية مستحيلة في ظل النظام القيصري. يشهد على ذلك ما حصل خلال تفكك الإتحاد السوفييتي، الذي قرع جرس الإنذار لنظام على وشك الإنهيار- نظام أنهكه سباق التسلح كذلك-، والذي حصل دون إراقة نقطة دمٍ واحدة. استعاد كل شعب حريته، وفقاً لحق تقرير المصير الذي أعلنه لينين سنة 1916.
6 تشرين الأول 2017
 
*Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة.أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.
 
المصدر:
https://www.legrandsoir.info/1917-2017-ii-l-etincelle-d-octobre.html
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي