سامي خوري.. شجرة القدس الباسقة الخضراء: محمد سعيد حمادة

2017-10-08 15:03 PM أرض - أرض
سامي خوري.. شجرة القدس الباسقة الخضراء: محمد سعيد حمادة
 
عندما فتحت باب المكتب، فاجأني بأن عاد نصف خطوةٍ إلى الوراء وانتصب ضاربًا الأرض بقدمه، رافعًا يمينه زاوية قائمة، مردّدًا بصوت هزّ البناء كلّه: "تحيا سوريا". اعتدلت من تراخيّ المكتبيّ ورددت التحيّة بحماس وإعجاب يصحبهما استغرابٌ فرِحٌ. رجلٌ في العقد السابع من عمره، يقف منتصبًا ويشدّ على يدي الواهنة وأنا ابن الثانية والثلاثين. التفتّ وإذ برفقائي جميعًا يحتشدون خلفي وقد امتدّت أيديهم لإزاحتي من أمام الباب وإخراجي من ذهولي، لكنّه اقترب واحتضنني قائلاً: "أوّل مرّة أشوفه هذا الرفيق"، فردّ رفيقي نظام مارديني وهو يصافحه معرّفًا باسمي.
كان هذا في مكتب مجلّة "اتجاه" بشارع المقدسي في بيروت عام 1999، حيث كانت "اتجاه" تحضّر لندوة دولية بمناسبة الذكرى الخمسين لاغتيال أنطون سعاده.
سألت نظام فقال إنه الرفيق سامي خوري، فانتصبت واقفًا من جديد. يا لحظّي الكبير، هذا هو إذًا مؤسّس "جبهة الفداء القومي"، هذا هو "الإرهابي" العنيد الذي كنت أحلم باللقاء به، حيّاني واحتضنني وبادر في التعرّف إليّ، هذا هو المقاتل الذي أرّق عدوّنا الوجوديّ أعوامًا جمرية لاهبة، يا لسعادتي.
عندما خرج من اجتماعه مع الرفيقين هنري حاماتي وعلي حميّة، عاد إلى الصالون قائلاً: "رفيق محمّد خليك مع هشام (يقصد هشام شرابي) ولو أنه هنري مش عاجبه. أنا شايف أنه يعود شيئًا فشيئًا، ووجود شاب مثلك إلى جانبه يعزّز عودته إلى نفسه"، وقد كنت حينها مقرّبًا من هشام شرابي ومساعدًا له في إعادة طباعة كتبه. فأجبته: "حاضر حضرة الجزيل الاحترام". اقترب منّي وضمّني مجدّدًا، وكأنّه يفعل اليوم، وسألني إن كنت أعرف نائل نديم، لأنه عرف أنني من منبج، فأجبته أن "العمّ أبو محمود مرجعي وسندي عمّ أبو طارق"، فابتهج كطفل فاجأته هدية لم ينتظرها، والتفت إلى هنري قائلاً "أجيال لم تولد بعد وتولد".
في العام 2003 أصدرت مجلّة فكرية نصف شهرية باسم "رؤى ثقافية"، وقد وضعت شعارها مقولة سعاده "العقل هو الشرع الأعلى"، وكنت أخصّص فيها صفحتين للأطفال، فأرسل لي عبر الرفيق العزيز عزمي منصور أنه يجب أن أعطي مجالاً أكبر للأطفال، وإن لم يكن هناك من إمكانية لهذا فلأفكّر بملحق خاصّ للطفل السوريّ يعلّمه من هو وما هي أرضه ومن هم أعداؤه ويزرع بروحه حبّ سوريا. كنت مأخوذًا كذلك بمدى متابعته واهتمامه وقد أصبح يومها في العقد الثامن من عمره.
في أوائل العام 2007، وقد أوقف العمل التحضيريّ لـ"المؤتمر السوري العام لبلاد الشام والعراق"، وكنت محاصرًا مأزومًا، جاء إلى الشام، برفقة عزمي منصور، كي يراني ويساندني، محاولاً إعادة العمل وتجديده، وعندما وجد أنني أشعر بالإحباط، أعطى أمرًا عسكريًّا بأن نذهب على الفور إلى مطعمه المحبّب في باب توما "أليسار" و"الصباح رباح".
في حزيران 2011 وبعد أن رآني على شاشة التلفزيون معذّبًا مكسّرًا على سرير المشفى، إثر اختطافي من قبل المجموعات الإرهابية المسلّحة، اتصل ليقول لي "يا حيف عليك.. بالمستشفى ومعلّق النباريش بجسمك وكنت أفكرك حامل سلاحك بوجه الأوغاد؟" وقد خرجت من المشفى في اليوم نفسه إلا أن صحّتي قد تدهورت وأعدت إليها، لكنه كان يتصل يوميًّا للاطمئنان من دون أن يعلمني.
مرّةً واحدة رأيته فيها كما لم أره يومًا، كان فرحًا راقصًا منتشيًا معتزًّا معتدًّا. كان ذلك اللقاء في عمّان أوائل عام 2008، وقد ذهبت بصحبة عدد من الرفقاء والأصدقاء للمباركة بفوز ابنه الرفيق طارق في الانتخابات النيابية. وقف في صالون بيته الكبير المزيّن بالزوابع وقال موجّهًا كلامه لي، كي أستخدم المعلومة في وقتها وساعة أحتاجها: "أبو جود.. رح أخبرك معلومة وهي أن طارق تجاوز مرشّح الإسلاميين في دائرته بـ 13000 ألف صوت." ورفع كأسه بـ"النصر" فوقفنا وردّدنا "لسوريا".
ذهب المحارب القوميّ إلى سجلّ الخلود ولم يمت، فقد كنت أؤنّب نفسي كلّما تسلّل إليها شيء من التراخي أو الإحباط، مذكّرًا نفسي بالعم أبو طارق وجذوة النضال في روحه. ذهب مؤمنًا واثقًا باسقًا بروح خضراء كما القدس وأشجارها. ذهب العمّ والرفيق الجزيل الاحترام سامي خوري واقفًا صلبًا معلّمًا فدائيًّا، كما بدأ، وكأنه ابن عشرين عامًا وهو في السادسة والثمانين.
المجد لسوريا.
 
نشر هذا المقال في موقعي البوّابة ووكالة كرم الإخبارية
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي