اليسار الثوري.. التلاعب الكبير: فينسان لونورمان- ترجمة: علي إبراهيم

2017-10-10 21:31 PM ترجمات خاصّة
اليسار الثوري.. التلاعب الكبير: فينسان لونورمان- ترجمة: علي إبراهيم
منذ عشرات السنين تمت إعادة توجيه التيارات التحررية، والتروتسكية، و "المعادية للفاشية" التي تشكل اليسار الثوري، من أجل وضعها في خدمة أغراض الحرب.
إن اليسار الثوري يضم مجموع التشكيلات السياسية المؤيدة بشكل مبدئي للثورة التي ستضع حداً للرأسمالية، مستنداً في ذلك على أمثلة تاريخية سابقة مثل كومونة باريس أو الحرب الإسبانية. تضم هذه المجموعات في فرنسا الحزب الجديد المعادي للرأسمالية NPA، الإتحاد الوطني للعمل CNT، البديل التحرري، الفيدرالية الفوضوية... إن أعداد الناشطين في صفوف هذه المجموعات غير كبيرة، لكنهم يتمتعون بصورة جيدة لدى فئة من السكان المؤيدين للأفكار التحررية والتروتسكية و المعادية للفاشية و الثورية. سوف نرى كيف تم التلاعب بهذه المجموعات و تطهيرها و إعادة بنائها من أجل خدمة أغراض الحرب، بدءاً من الدعاية البسيطة وصولاً إلى تجنيد المقاتلين.
إن الحرب المقصودة هنا، هي الحرب في سوريا بشكل أساسي، التي بدأت بسبب الأمر الذي لم يعد أحد يجرؤ على تسميته "الربيع العربي"، لأن تلك الأحداث كانت بمثابة الكارثة على العالم العربي-الإسلامي، بوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في تونس ومصر ودمار ليبيا واليمن. في بداية سنوات 2000، كان اليسار الثوري لايزال وفياً لمواقفه التقليدية: ضد الرأسمالية، ضد الإمبريالية، ضد الصهيونية. كانت حرب العراق سنة 2003، فرصة لإنطلاق المظاهرات التي تشجب تلك الحرب لأنها بالفعل: حرب عدوانية، تمت بذرائع كاذبة. لم يتم نعت المتظاهرين بأنهم "حسينيين"، أو معجبين بصدام حسين، إلا من قبل المحافظين الجدد المعهودين. في سنة 2004، شجبت صحيفة البديل التحرري المشاريع الأميركية حول "الشرق الأوسط الكبير"، أي "زعزعة استقرار، وإسقاط الأنظمة المحلية، وإعادة تقسيم الأراضي". الإقتباس : "لقد حدد بوش المدى الذي ستبلغه الحرب التي يجري التحضير لها بقوله: "إن العراق الحر يمكنه أن يقدم نموذجاً عن الحرية وكيف يمكنها تحويل منطقة لها أهمية قصوى، بجلبها الأمل والتقدم لملايين البشر (...) وسيكون النظام الجديد في العراق المثل الرائع والمدهش عن الحرية، بالنسبة للدول الأخرى في المنطقة. وفيما يتعلق بالأنظمة القائمة في المنطقة، فإن التحذير واضح : [...] إن السؤال الذي يطرح نفسه هو من التالي؟ يعمل اليمين المتطرف المسيحي من أجل حلٍ نهائي للقضية الفلسطينية عبر تنصيب أنظمة عميلة للولايات المتحدة في سوريا ولبنان، وعبر إعطاء اليمين الإسرائيلي التفويض في إجراء التطهير العرقي للأراضي المحتلة."
لا يمكن اليوم تخيل هكذا مقال في هذه الجريدة، وسوف يتم اعتبار كاتبه من أنصار نظرية المؤامرة، وبأنه صديق الحكام المستبدين، وأنه "أحمر-بني" أو فاشي بكل وضوح. أيضاً في سنة 2004، شجبت ذات الصحيفة بداية التواطؤ بين اليسار المتطرف و "الإسلام السياسي"، دون فهم حقيقي لما يعنيه "الإسلام السياسي". إن هذه الكلمة يستعملها أولئك الذين لا يفهمون طبيعة هذه الظاهرة، وكذلك أولئك الذين يريدون زرع الخلط بين الإسلام والمذهب الوهابي. أصبحت الوهابية تتمتع بنفوذ قوي خلال القرن العشرين بدعم من الولايات المتحدة، التي اتخذت من عائلة سعود حليفاً عربياً أساسياً في الشرق الأوسط. وفي ظل الصمت المطبق للغرب، عمل آل سعود على تنصيب أنفسهم كزعماء للعالم العربي-الإسلامي، فقاموا ببناء المساجد التي يتم فيها تدريس مذهبهم الظلامي المنحرف، ومنطقهم الطائفي في جميع أنحاء العالم. منذ عقود من السنين، اشتروا الضمائر، وخربوا الثقافات. لا علاقة لكل ذلك بالدين : الأمر هو نوع من الإمبريالية الثقافية ومن الفاشية.
تحالف الغربيون مع آل سعود لأنهم الأشدّ عداءً للشيوعية، والأشد تعصباً، والأشد استعداداً لإخضاع المسلمين و الأكثر عبوديةً. بالتوازي مع ذلك، قام الإخوان المسلمون والقاعدة، وكليهما مرتبطان بالمخابرات الأميركية، بنسج شبكة دولية، سياسياً عمل على بنائها الإخوان، وعسكرياً عملت على بنائها القاعدة. الإخوان المسلمون هم شكل من الماسونية الإسلامية، وقد حصلوا على دعم مالي وافر من قطر وتركيا (إردوغان نفسه عضو في تنظيم الإخوان).
بإمكان المرء أن يحك رأسه أو أن ينعت من يشجب التواطؤ بين المجموعات الإرهابية التي تزعم أنها إسلامية وبين البنتاغون بالجنون، وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الكبرى عملت كل ما يمكنها من أجل منعنا من الفهم، ولكن في نهاية المطاف تجمعت الوقائع والبراهين، وأكثرها وضوحاً هو التآمر والتحالف الكامل بين حلف الناتو، و دول مجلس التعاون الخليجي و اسرائيل (لم يعد آل سعود واسرائيل يخفون أمر تفاهمهم)، بقيادة الولايات المتحدة. لقد تبنى مناضلو اليسار المزعوم المضللون رداً لا إرادياً حيث دافعوا عن الولايات المتحدة من خلال القول أن روسيا والصين، هما أيضاً، دولتان إمبرياليتان، وأنهما ليستا أقل خطورة. إن ذلك أمر خاطئ بكل بساطة. حيث أن الميزانية العسكرية الأميركية تعادل الميزانية العسكرية لجميع دول العالم. والولايات المتحدة تمتلك قواعد في كل مكان (أكثر من 800 قاعدة خارج أراضيها)، ومن الجيد أن نعي أنها تهدد العالم بالنار والدماء. وأنها الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة الذرية، وأنها لا تتوانى عن استخدام السلاح الكيماوي والأسلحة النووية، وأنها منذ زمن ليس ببعيد قامت بتدمير دول، وارتكبت المجازر بحق الملايين من البشر. فقط من أجل مصلحة الأوليغارشية التي تتحكم بجيش الإمبراطورية الذي يمثله حلف الناتو. إنهم يريدون بشكل صريح الهيمنة على العالم وقد اختاروا الحرب بكل وضوح كوسيلة للوصول إلى هذا الهدف. ورغم ذلك ففي فرنسا لا يرتجف الناس رعباً من استحضار المخابرات المركزية الأميركية. إن كلمة مخابرات مركزية تذكّر بالغموض، بالسينما، بالمؤامرة وبشكل فوري تبدأ الرقابة الذاتية بالعمل : يجب عدم تصديق نظريات المؤامرة. إن الأمر يتعلق بفرض الشروط والسيطرة على الفكر. لا أحد يرغب بالإعتراف أنه تم التلاعب به وبأنه يساهم في هذا التلاعب.
غني عن القول أن من يحكموننا والقادة العسكريون يهتمون عن قرب بالتلاعب بالوعي والرأي العام، وأنهم يمولون البحث العلمي في هذا الإتجاه. إن الحرب العالمية الدائرة في الشرق الأوسط تمثل فرصة لهم لإجراء التجارب على أرض الواقع. نجحت بعض هذه التجارب، وبشكل خاص الرقابة الذاتية التي نجحوا في زراعتها في قلب اليسار الثوري.
 
المرحلة الأولى: التطهير
 
بعد 5 سنوات من المقالات المذكورة سابقاً، أي في عام 2009، تبنت جريدة البديل التحرري خطاً جديداً : أضحى التوجه هو مطاردة "المتآمرين". نشرت الجريدة سلسلة من المقالات المثيرة للأسف بسبب إما الجهل و/أو النية السيئة، تم فيها الخلط بين من يشككون بالرواية الرسمية لأحداث 11 أيلول ومن يؤمنون بالكائنات الفضائية والمتنورين وتم وصف الجميع بأنهم : جميعهم حمقى منحرفون نحو اليمين المتطرف.
في تلك الحقبة، ظهرت مواقع الكترونية عديدة، مواقع غريبة قامت بنشر قوائم. بشكل غريب، لم تعد الحركة "المعادية للفاشية" تهتم بحزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف أو بالنازيين الجدد، بل قررت أن تقوم بالفرز بين اليسار، حيث، وبشكل مفاجئ، أصبح أشخاص مثل إتيين شوار، ميشيل كولون، آني لاكروا-ريز أو جان بريكمون يعتبرون فاشيين، وخلال ظهور هؤلاء الأشخاص في ندوات عامة يأتي "المعادون للفاشية" لإفتعال المشاكل، والإفتراء عليهم، والسخرية وشتم جمهورهم، ويتم اعتبارهم من أصحاب نظرية "المؤامرة" ، و "مشوشون"  ،  و "أحمر-بني"، و "أصدقاء الطغاة"... إن النقطة المشتركة بين هذه الشخصيات التي يتم تجريمها، هي بالطبع عداؤها للإمبريالية وانتقادها لوسائل الإعلام المهيمنة. وفي منطق مشوش حقاً، يقوم "المعادون للفاشية" المزيفون بنشر فكرة مفادها أنك حين تعارض الحرب في ليبيا، فهذا يعني أنك من المعجبين بالقذافي. وإذا لم تكن مع "الثوار السوريين"، فذلك سببه أنك تحب الأسد حد العبادة. إن قمت بإنتقاد الولايات المتحدة، فأنت تحب بوتين حبأ وثنياً. في كل الأحوال يتم اعتبارك فاشياً.
كان كافياً للمتلاعبين أن يأخذوا اتجاهاً فئوياً موجود سلفاً في هذه الأوساط : "لاحوار مع اليمين المتطرف". إنه إرهاب فكري حقيقي، وتم استخدام الإنترنت بشكل كبير في هذا السبيل، من الأسهل مراقبة المنتديات بدلاً من زرع عملاء. النتيجة : تمت نسبة كل كلام معارض إلى اليمين المتطرف. إنها استراتيجية الكرة الآسنة. أضحى الحوار مستحيلاَ. على مواقع المنتديات الخاصة باليسار الثوري، مثل المنتدى الفوضوي، المنتدى الفوضوي الثوري، المنتدى التحرري، بدأت المطاردة. حيث أضحى ذكر المخابرات الأميركية مستحيلاً.
من الممكن الإعتراض أن تلك نظرة حمقاء وهذيانية بالكامل تخيل أن المخابرات الأميركية أوغيرها يمكن لها أن تهتم لأمر مجموعات تحررية هامشية فرنسية، لا تمثل سوى بضع مئات من الأعضاء. ولكن لو أخذنا بعين الإعتبار المشروع الشامل، والذي يقضي بتصوير الحروب العدوانية الإمبريالية على أنها ثورات، يمكن حينها أن نفهم المصلحة : المطلوب هو السيطرة على جميع مجموعات اليسار الثوري، في جميع الدول الغربية، لكي لا يتم سماع الأصوات المعادية للإمبريالية و التصفيق للحروب، بإسم التضامن الثوري. لأن الحركة الثورية تكسر أمراً محظوراً مهماً : إنها تجعل من المقبول في بلدٍ ما، أن تستولي الأقلية على السلطة عن طريق العنف. حيث يتم اعتبار العنف والدمار شراً ضرورياً من أجل الإنتقال إلى مجتمع من المفترض أنه أكثر عدالة. أما بخصوص معرفة إن كان المسؤول عن هذا التلاعب هو المخابرات الأميركية أم الموساد أم المخابرات البريطانية أم قسم العمليات النفسية في الجيش الأميركي (الذي لا يخفي أبداً أهدافه ووسائله)، فمن المستحيل معرفة ذلك، لكن المستفيد منه هو التحالف القائم بين الناتو و آل سعود وإسرائيل الذي تسبب بهذه الحرب.
في موضوع 11 أيلول، هل من الحماقة التساؤل لماذا تحتفظ الولايات المتحدة بمثل هذه العلاقات الوثيقة مع السعودية، في الوقت الذي يقوم التحقيق بإدانة هذا البلد؟ ولماذا لا تكف الدول الغربية بمجملها والتي تدعي أنها في "حالة حرب ضد الإرهاب" عن عرض صداقتها وعن بيع الأسلحة للمصدر الإيديولوجي وممول الإرهاب الذي يدعي الإسلام؟
 
المرحلة الثانية : ثورة الإخوان المسلمين
 
هل كان إحراق بائع خضار تونسي لنفسه في شهر كانون الأول سنة 2010 ثمرة مؤامرة؟ كلا بدون شك، لكن الأمر الأكيد والمؤكد، هو أنه كان الذريعة لإنطلاق عملية تم التحضير لها قبل وقتٍ طويل (إعادة تقسيم الشرق الأوسط الكبير، الأمر الذي شجبته جريدة البديل التحرري سنة 2004). سوف تغمر الحماسة كل اليسار المزعوم، من الحزب الإشتراكي وصولاً إلى الفيدرالية الفوضوية، بسبب "الربيع العربي". كان هنالك فقط بعض الغاضبين، الذين تم حظرهم ونبذهم والإستهزاء بهم من قبل اليسار، شككوا، وتساءلوا إن كانت الولايات المتحدة في طور إعادة لعبة الثورات الملونة (اوكرانيا، جورجيا، قرغيزيا...). وأولئك، النادرون، الذين يفهمون معنى "الإسلام السياسي"، كانوا يخشون وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة أو غيرهم من القوى المتحالفة مع الفاشية الوهابية.
لم تكتف مجموعات اليسار الثوري، وعلى رأسها الحزب الجديد المعادي للرأسمالية NPA و البديل التحرري، بالتهليل للثورات، بل طالبوا بالتضامن الدولي معها ونشروا الدعاية الغادرة. ومثلما كان الحال مع ميلوسيفيتش، وصدام، والقذافي، كان يجب تصوير الأسد،  طبيب العيون، على أنه هتلر الجديد، وأنه سادي يستمتع بتقطيع الأطفال. كان يكفي من أجل ذلك تشابك الخطوات مع آلة الدعاية الهائلة المخصصة للجمهور العريض، إنطلاقاً من تفجيرات مزورة، وصور مفبركة.
تتمفصل الدعاية التي نشرتها وسائل إعلام اليسار الثوري حول الأفكار الرئيسية التالية:
 
1) ابتذال الإخوان المسلمين والتقليل من التهديد الطائفي 
لأغراض الدعاية، توجب القول أن الإخوان المسلمين ليسوا بهذه الخطورة، بل يمكن أن يكونوا حلفاء. في شهر آذار سنة 2011، وفي مقال مذهل شبيه بالهذيان، أعلمتنا جريدة البديل التحرري أن الإخوان المسلمين "في طريقهم اليوم نحو، إن لم يكن تبني العلمانية، الإنقسام الواضح على الأقل مابين أنصار الديمقراطية وأنصار حركة إسلامية أكثر تشدداً". تم تصوير الإخوان، في مصر وتونس، على أنهم مكون أساسي لا غنى عنه من مكونات الثورة، وأنهم منقسمون بين تيار محافظ وتيار ديمقراطي. لقد تقبلت الجريدة ودعت إلى تقبل فكرة أن الإخوان يمكن لهم أن يكونوا جزءاً من ثورة ديمقراطية و اجتماعية وتحررية.
هنا من المفيد التذكير أن الإخوان وخلال سنوات 1970، شنوا حملة واسعة من الإرهاب في سوريا، تسببت بمقتل المئات. بتعبير الإمبريالية الأميركية وآل سعود. كان رد السلطة في بداية سنوات 1980 قاسياً : ما يطلق عليه اليوم مجزرة حماة. بينت مذكرة صادرة عن الإستخبارات العسكرية الأميركية أن عدد الضحايا هو 2000 في صفوف الإخوان، لكن الأرقام تم تضخيمها لأغراض الدعاية الحربية. وبالطبع بدأ ناشرو الدعاية بالحديث بشكل منتظم عن مجزرة حماة وأنها تسببت بمقتل 40000 مدني، بسبب سادية السلطة السورية، من دون أي ذكر لجرائم الإخوان المسلمين. كيف السبيل إلى القول أن الإخوان كانوا "حاضرين بشكل فردي" ولكنهم كانوا "متخفين" في بداية الأحداث بينما هم يشكلون القوة الرئيسية للمعارضة في البلاد، قوة دولية تتمتع بتمويل دولي؟ في نهاية 2012، وبينما كان الجهاديون قد ظهروا منذ مدة طويلة في سوريا، كان الحزب الجديد المعادي للرأسمالية لايزال يردد أن "الإسلاميين أو الإخوان المسلمين ليس لهم سوى القليل من الصدى والحضور الناشط على الأرض".
لم يتردد بعض الكتاب بوصف كل من يشير بالإصبع إلى الخطر الإسلاموي بأنه "كاره للإسلام"، بل إن جيلبير أشقر ذهب إلى حد القول، سنة 2013، أنه "حتى لو كانت الإنتفاضة بقيادة القوى الإسلامية، فليس من الواجب أن نغير موقفنا". هذا هو الحزب الجديد المعادي للرأسمالية المستعد لدعم انتصار الملتحين.
لنتذكر أن سوريا لايسكنها السنّة فقط، بل إنها موزاييك من القوميات والأديان المتعددة، شيعة، دروز، مسيحيون...بالنتيجة فإن استلام قوى دينية وطائفية للسلطة يعد كارثة للسوريين. منذ سنة 2012، في حلب، أقام "الثوار" محاكم إسلامية. ماهو مصير أي مسيحي يمثل أمام محكمة تستمد أحكامها من الوهابية؟ كم من الشيعة، والعلويين، والمسيحيين ارتكبت بحقهم المجازر على أيدي "الثوار" ؟
في استراتيجية تهدف إلى قلب الحقائق وهو أمر من ثوابت أبواق الدعاية، سعوا إلى القول أيضاً أن السلطة البعثية تمارس الطائفية، وعلت أصواتهم أن الأسد متحالف مع داعش من أجل سحق الثورة. كان إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين المنتمين للإخوان المسلمين من قبل الأسد، لغايات تفاوضية، فرصة لهم للقول أن الأسد هو من أوجد الجهاديين. على موقع Juralib، نشر مقال هذياني بالكامل يصور داعش على أنها صنيعة الأسد وبوتين، مع التأسف على عدم مشاركة فرنسا في حرب العراق. لنتذكر هنا أن داعش لم يبدأ بخسارة مواقعه على الأرض إلا مع بداية قدوم الجيش الروسي لمساعدة سوريا، في شهر أيلول 2015 فقط. حتى ذلك التاريخ لم يقم التحالف الذي قادته الولايات المتحدة بفعل أي شيء ضد داعش، كانوا يتلقون العلاج في اسرائيل، والدعم شبه العلني من تركيا وهي دولة عضو في حلف الناتو، وهنالك المزيد من البراهين على التآمر بين القوات الخاصة الأميركية وداعش. بلغت هذه الإستراتيجية ذروتها في مقابلة أجراها موقع لوندي ماتان مع روبين ياسين خطاب قال فيها ما معناه : 
- الجيوبوليتيك = نظرية المؤامرة
- الإمبريالية = روسيا و إيران
- القول أن الثورة السورية هي القاعدة = كراهية الإسلام
- محاربة الإرهاب = تأييد الطغاة
- الثورة السورية = الحرب الإسبانية
- الأسد = الجهادية = الفاشية
وفي ذات الموقع، يمكننا أيضاً قراءة أن "الأسد أسوأ من داعش". هذا الأمر يجب أن نسأل عنه السوريين الذين يتعرضون للتفجيرات التي لا تميز والتي تدمي بلدهم كل يوم.
 
2)الدعوة إلى العنف، رفض الحوار
منذ شهر نيسان 2011، وعلى موقع الحزب الجديد المعادي للرأسمالية NPA، يمكننا قراءة أن "بعض المعارضين والمراقبين يعتبرون أنه فات الآوان على محاولات الحوار". "لن تمر محاولة تملق الشعب من قبل النظام الدكتاتوري القائم، رغم أن جزءاً من الشعب السوري لايزال يتخوف من أفق الثورة العنيفة". لا مكان للحوار إذن، اليسار الثوري يريد للدم أن يسفك قي سوريا. لا يتوقف كتاب الإفتتاحيات عن القول لنا مالذي يريده الشعب السوري : سقوط النظام. الشعب لم يعد يخاف، وهو يقبل بأن تسفك دماؤه. "إن الموجودين اليوم في الشارع لن يعودوا إلى الوراء أبداً ولن يفاوضوا على أي شيء. بالنسبة لهم يبقى الشعار الوحيد هو "الشعب يريد سقوط النظام". من هنا بدأ أبواق الدعاية يطالبون بتسليح "الثوار" : "إننا بحاجة للسلاح، وللتدريب كذلك"، لكن يجب تفادي ذكر مصدر السلاح و على من سوف يتم توزيعه. في نهاية سنة 2012، وبينما كان عشرات الألوف من الجهاديين يتدفقون إلى سوريا، ويتم تدريبهم في منطقة الحدود التركية والأردنية، كان حزب NPA يقول أن "المساعدات العسكرية المزعومة لا تأتي سوى من قطر والسعودية وليبيا. كميتها قليلة وهي تذهب للمجموعات الصغيرة "الإسلامية" الهامشية". لقد أوقفت وكالة المخابرات المركزية الأميركية للتو برنامجها المخصص لمساعدة "الثوار"، مع أنه كان من المستحيل الإشارة إلى هذا البرنامج في ذلك الوقت دون التعرض للإتهام بتبني نظرية المؤامرة، أصبح الأمر رسمياً اليوم. نحن في سنة 2012، وحزب NPA يريد السلاح لتقديمه "للثوار" : " لا يمكننا أن نعارض ذلك، ولكن مع تحديد بعض الشروط. [...] إن أنظمة التسليح المعقدة تتطلب كادراً بشرياً عالي التخصص وبالتالي تهيء الظروف للتبعية للخارج. ليس ذلك ما يطلبه الثوار السوريون، الذين يحتاجون قبل أي شيء للسلاح المضاد للدروع وللصواريخ المضادة للطيران لجماية أنفسهم من الهجمات القاتلة لمدفعية النظام وطيرانه المقاتل."  بعد أن تحددت الشروط، يمكننا القول : يا للوضاعة!
يا للوضاعة. تم تسليم الأسلحة، وتدريب "الثوار"، وبلغ عدد ضحايا الحرب في سوريا 500 ألف. هل حزب NPA راضٍ؟ سنة 2014، اندفع جيلبير أشقر، الذي يعرف ماالذي "يريده الشعب السوري" أكثر من السوريين أنفسهم، بجرأة للنداء من أجل الحرب الشاملة : في سوريا، كما يرى،
"من الوهم الأمل بإطاحة الطاغية عن طريق مظاهرات بسيطة، لا يمكن الإطاحة بالعائلة الحاكمة إلا بواسطة السلاح. يجب إذن قيام ثورة تطيح بها بواسطة إنتفاضة شعبية مسلحة تفضي إلى حرب أهلية مع تكوين مناطق محررة تتوسع تدريجياُ حتى الوصول إلى النصر النهائي. لا يمكن للثورة السورية أن تتطور مالم تتحول إلى حرب أهلية. إن الفشل الكبير للديمقراطيين والتقدميين في المعارضة السورية، هو أنهم لم يلتقطوا  فوراً حتمية الحرب الأهلية" .
الحرب الأهلية، أسوأ أنواع الرعب الذي يمكن أن يصيب بلداً ما، تتحول إلى فضيلة على لسان أشقر. يجب تنظيم رحلة له إلى حلب، لكي يشرح بشكل مباشر للسوريين أن ذلك لصالحهم.
 
3)حماية الولايات المتحدة، وإسرائيل و آل سعود
عملت أبواق الدعاية كل ما يمكنها من أجل إخفاء وحماية المسؤولين الحقيقيين عن الحرب،أي تحالف الناتو مع اسرائيل و دول الخليج. في بداية الأحداث زعموا أن هذا التحالف هو الذي يحمي الأسد، من أجل زرع البلبلة في صفوف المعادين للإمبريالية. كان البديل التحرري يعلم منذ سنة 2011 أن القوى الغربية "لم تعد تسيطر على شيء". أما حزب NPA، من جهته، فقد كان يفسر لنا "الحذر النسبي للقوى الغربية والسعوديين، وإسرائيل بوجه خاص تجاه الأحداث. بالنسبة لهم، الأسد هو "شرّ نعرفه"، و رغم كل شيء فهو أحد أركان النظام الإقليمي. من يمكن أن يأتي بعده مخيف أكثر لهم. بالتالي، "فإن الحفاظ على النظام السوري هو الخيار الأفضل بالنسبة لإسرائيل". ذهب حزب NPA إلى حد اعتبار تلك الكذبة أمراً بديهياً : " لماذا يخشى الغرب واسرائيل بشدة من خسارة نظام بشار الأسد؟". أتى الجواب بعد عدة أشهر : " إن انتصار الثورة السورية سوف يؤدي إلى فتح جبهة جديدة لمقاومة القوى الإمبريالية، أما هزيمة الثورة فسوف تريحها". في الشهر التالي : " بحجة أن الأسد أقل انحيازاً للولايات المتحدة وإسرائيل من أنظمة عربية أخرى [...]، أو خشيةً من صعود الأصولية الدينية، فإن البعض من اليسار لا يدعم الإنتفاضة السورية. إنه أمر مضاد للعقل السليم ! إن مكان المعادين للإمبريالية والرأسمالية هو في العمل مع الثوريين العرب".
جيلبير أشقر، دوماً، سوف يزعم، سنة 2012 أن "الأحداث التي تجري تشير إلى ضعف شديد في الهيمنة الأميركية"، "إن التأثير الذي يمكن للولايات المتحدة أن تمتلكه على المسار الدائر في ليبيا محدود جداً". في السنة التالية، أعلن بكل جدية أن "واشنطن لاترغب بتفكيك أية دولة. إنها تريد "انتقالاً منظماً" –أن تتغير وجوه السلطة، لكن مع ضمان استمرارية بنية الدولة" (نسي أن الولايات المتحدة دمرت الدولة في الصومال وأفغانستان و العراق و ليبيا...). وأن "القوى الغربية لن تقدم الدعم الجوهري – والعسكري خصوصاً- لأية قوة معارضة، لأنها لا تثق بأي مكون من مكوناتها".
ليس جميع الكتّاب الذين تم ذكرهم عملاء بالطبع، حتى لو كان من حقنا فيما يخص جيلبير أشقر، غياث نعيسة، جوزيف ضاهر أو الهيستيري زياد ماجد أن نعتقد ذلك. إن ما يمكننا التحقق منه ودراسته، بالعودة إلى الوراء، هو صرح ضخم للسيطرة على الفكر، لمنع الكلام المعارض عن طريق الرقابة والرقابة الذاتية، صرح يتجاوز بشكل أوسع إطار دراستنا هذه (اليسار الثوري في فرنسا)، لأنه ظهر أولاً في وسائل الإعلام المهيمنة، التي تتوجه للجمهور الواسع. في صحيفة لوموند نجد أحقر أنواع الدعاية، بشكل خاص ما يكتبه المدعو جان-بيير فيليو، الذي كتب السيناريو لأحد أفلام الرسوم المتحركة الدعائية (الرسوم المتحركة هي زاوية للتأثير على جمهور اليسار). بتنا نعلم اليوم أن لوموند كانت تتلقى الأوامر من قصر الإليزيه مباشرة أو من وزارة الخارجية، لكن هل هذا الأمر مفاجئاً؟ إن أي مناضل في صفوف اليسار يجب أن يعلم أن وسائل الإعلام التي تمولها الدولة هي في خدمة هذه الدولة، وأنه في حالة الحرب، لا يعود من معنى لحرية الصحافة لأن الأمن القومي وأسرار الدولة لها الأولوية.
إن ذلك لم يمنع بالطبع مجموعات اليسار الثوري أن تستند إلى وسائل الإعلام المهيمنة كمراجع حصرية لها من أجل تدعيم حجتها، وأن ترفض أي وجهة نظر بديلة. لدى حزب  NPA والبديل التحرري وأضرابهم، من الجيد اعتبار كل معلومة ترد عن طريق قناة روسيا اليوم كاذبة (صوت الكرملين، يا للفظاعة !) وعدم الشك بأية معلومة ترد من لوموند أو نيويورك تايمز.
بلغ العبث ذروته في شهر كانون الأول 2016، حين بدأت جميع وسائل الإعلام المهيمنة بالعويل حول الإبادة الجماعية لسكان حلب على يد جيوش "بشار و بوتين" المتوحشة. في تلك اللحظة، تم وضع فيليب بوتو (أحد المرشحين للرئاسة الفرنسية عن حزب NPA- من المترجم) نفسه في الخدمة للمساهمة في السخط من هول هذه "المجزرة" : "بدأت المجازر في شرقي حلب. المعلومات الواردة متطابقة." لم يوفر حزب NPA الفرصة من أجل إشعار اليسار بالذنب : "الحقيقة الصادمة هي أن الشعب السوري في نضاله من أجل التحرر لم يجد تضامناً دولياً بمستوى تضحياته. بقي وحيداً في مواجهة جحيم أسلحة النظام الدموي، وأظهر شجاعة غير عادية، شباب و جماهير شعبية منتفضة يواجهون بربرية النظام وحلفائه." إن الشباب، والجماهير الشعبية المنتفضة، هي في الحقيقة آلاف الجهاديين الذين قدموا من أربع أركان الأرض، والذين اتخذوا من سكان شرق حلب رهائن، وأقاموا المحاكم الإسلامية المزعومة، وقاموا بالنهب، والإغتصاب، والتعذيب، وارتكبوا المجازر، والإرهاب. لكنهم بالنسبة لحزب NPA "أبطال". أيضاً يجب تنظيم رحلة لهم إلى حلب، لكي يسألوا الحلبيين بشكل مباشر إن كانوا يتأسفون على الزمن الذي كان فيه الملتحون يزرعون الرعب في أحيائهم و يغتصبون بناتهم.
أسس حزب NPA مع مجموعات أخرى عديدة تجمعاُ بإسم : "مع الثورة السورية" من أجل تقديم المساعدة بشكل فاعل إلى "الثوار السوريين" الذين كانوا يقدمونهم على أنهم مناضلون سلميون وديمقراطيون، بينما كان المقاتلون يتقاضون أجورهم من الأموال التي أتت من الخارج، ويمتلكون دبابات، والأكثر قوة بينهم هم الجهاديون المستعدون للموت في سبيل الله. قام هذا التجمع بنشر الأقوال الجميلة لأبواق الدعاية مثل جوزيف ضاهر لكي يصدق الناس أن هنالك إدارة تحررية تدير المناطق الخاضعة للمسلحين، لتصديق ذلك يجب النجاح في تخيل مناطق حرة يقطنها متحررون تقدميون يعيشون الديمقراطية المباشرة بكل انسجام مع الجهاديين قاطعي الرؤوس الذين يحمونهم.
في فترة 2013-2014 بدأت الإيديولوجيا الشيوعية التحررية تدخل في الخدمة. حيث قدمت ليلى شامي نفسها على أنها مناضلة فوضوية-نسوية، وقامت بالثناء على عمر عزيز، الذي تم تصويره كفوضوي سوري صاحب نظرية إقامة المجالس المحلية التي استوحاها من روزا لوكسمبورغ أو من كومونة باريس. ولكن، لو أننا قرأنا النص المذكور، لوجدنا أن الكاتب يعترف بسلطة المجلس الوطني السوري الذي اسسه الإخوان المسلمون في تركيا، ويطلب من المجالس المحلية أن تخضع لسلطته وأن تضع نفسها في خدمة الجيش الحر. من الصعوبة بمكان حقاً أن نجد أي أثر للفوضوية. على شبكة يوتيوب نجد مقابلة مع ليلى شامي لكن لا تصور الكاميرا وجهها أبداً، يمكننا سماع صوتها، صوت امرأة ناطقة بالإنكليزية لا تعرف النطق باللغة العربية، وإلى جانبها تشارلز ليستر، الوسيط بين الولايات المتحدة والمجموعات المسلحة وبوق الدعاية في الصحافة المهيمنة، وهو مرتبط بقطر. تم تكرار أسطورة المجالس الديمقراطية التي أسسها "الثوار المعتدلون" دون توقف في التجمع ووسائل الإعلام المرتبطة به. كان التجمع يعقد اجتماعاته تحت راية الجيش الحر، علم المستعمر الفرنسي. (على المرء أن يكون جاهلاً بشكل كبير لكي يتصور أن السوريين يرون في الدولة الفرنسية "محرراً" ).
 
المرحلة الثالثة : روجافا
 
اعتباراً من سنة 2014 تم إطلاق عملية جديدة : روجافا. سوف يصاب الناشطون التحرريون، دون أن يتخلوا عن دعمهم للثورة الإسلامو-مشاعية، بالإعجاب بالكرد في وحدات حماية الشعب، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. زعيمه في السجن في تركيا، وقد تبنى الإيديولوجيا الشيوعية التحررية، إيديولوجيا "المجالس البلدية" التي أسسها الفوضوي الأميركي موراي بوكين. أعلنت الإنتفاضة الكردية أنها أقامت فوق أراضيها مجتمعاً تحررياً، عادلاً، معادياً للرأسمالية وصديقاً للبيئة. منذ ذلك الحين، أضحى من الملّح دعمهم و حث الناس على الذهاب للقتال إلى جانبهم. اعتباراً من سنة 2014، تدفق الفوضويون من جميع أنحاء العالم إلى سوريا، وساروا على نفس الطريق الذي سبقهم إليه الجهاديون. من الصعب تخيل أن ذلك يمثل أكثر من بضعة آلاف من المقاتلين، لكن، وكما في حالة الجهاديين، ذلك يتيح لبلدانهم الأصلية التخلص من عدد من المتطرفين واستخدام غضبهم لصالح هذه الدول.
لكن من البديهي أن كردستان ليست سوى الخطة باء للولايات المتحدة، بعد فشل الجهاديين. إن إقامة كردستان مستقلة على الأراضي السورية والعراقية سوف يتيح للولايات المتحدة تقسيم هذين البلدين وبالتالي إضعافهما، ووضع اليد على مصادر عملاقة من الطاقة. سوف يشكل ذلك تهديداً لإيران، التي تؤوي عدد كبير من السكان الكرد. من الواجب أن نتذكر أن سكان شمال سوريا ليسوا بغالبيتهم كرداً. إن روجافا خارج كردستان، والكرد موجودون بشكل أساسي في تركيا. في العراق يحظى الكرد بدعم إسرائيل. يمكن لنا أن نعتقد أن تركيا تعارض تاسيس كردستان ولكن أيضاً يمكننا الإعتقاد أنها قد تستفيد منها من أجل ترحيل الكرد الأتراك وتجلب السوريين بدلاً منهم ليسكنوا جنوب تركيا. وفي الواقع فإن الشبهات تحوم حول قيام وحدات حماية الشعب الكردية بتهجير السكان.
من أجل خلط الأوراق قامت الولايات المتحدة بتأسيس قوات سوريا الديمقراطية التي تضم المقاتلين الكرد إلى جانب بعض العرب، ولكن بشكل ملموس فإن وحدات حماية الشعب الكردية يشكلون الغالبية العظمى ويسعون إلى تأسيس"كردستان" بالقوة في المنطقة. السلطة هي بيد حزب الإتحاد الديمقراطي الكردي. من المفترض أن الفردوس التحرري هو الذي يسود في مناطق قائمة على النظام القبلي منذ الأبد، وتعيش حالة حرب، ويسيطر عليها جنود مسلحون يأتمرون بأمر الولايات المتحدة. من الصعوبة بلع ذلك ولذلك تقوم العديد من المقالات بمحاولة تسهيل عملية  البلع، بإسم الواقعية والوسطية، ودوماً كذلك بإسم الشعور بالذنب : " من السهل بشكل لا يصدق بل من المخجل، في بعض النواحي – الجلوس في منازلنا الغربية على المقاعد الوثيرة وانتقاد "خيانة" حركة ما لأنها "تعاملت" مع الإمبريالية حين تكون حياة العديد من الأشخاص هي المعنية، بالمعنى الحرفي. [...] إن ثوروية وتضامن المقاعد الوثيرة، المشروطة فقط بمفهوم "النقاء" لا معنى لها في العالم الواقعي"، كما ورد في موقع بالاست.
قامت الولايات المتحدة بزراعة العشرات من المواقع العسكرية لها في قلب القرى المحررة في روجافا، وأرسلت آلاف الجنود : أي أنها قامت بغزو سوريا، بكل تكتم. أظهرت الأحداث الأخيرة أن الكرد في حالة حرب حالياً ضد الدولة السورية أكثر مما هم يحاربون داعش. وقد نجحوا في استعادة مناطق شاسعة غنية بالنفط من داعش دون أي رد من قبل داعش، من أجل منع الجيش السوري من استعادتها. وقامت داعش بعد ذلك بشن هجوم واسع على الجيش السوري، مما سمح للكرد بالإستيلاء على المزيد من آبار النفط والغاز. لقد شاهدنا زعيم إحدى القبائل والذي كان داعشياً سابقاً يضع نفسه في خدمة الكرد. من السابق لأوانه معرفة مالذي يجري حقاً في روجافا، لكن هنالك ما يستدعي الشكوك والحذر.
أعلنت مجموعات اليسار الثوري أنها ستقدم دعماً مشروطاً، لكن في الواقع، فإنهم يسّوقون بشكل فعال جداً وحدات حماية الشعب  عن طريق زيادة الدعم المالي والدعاية التي تحض الناشطين على اجتياز العتبة والإنتقال إلى الفعل أي : الذهاب إلى سوريا للقتال، وإطلاق النار على العرب بالأسلحة الأميركية.
يمكننا تتبع مغامرات أحد الشيوعيين التحرريين مع وحدات حماية الشعب، يحلم وهو يشاهد المقاتلين يلتقطون الصور أمام رموز الفوضوية ومعاداة الفاشية، والأعلام الحمراء والسوداء، وحرف A ضمن الدائرة (شعار الحركة الفوضوية- من المترجم)...يشرح لنا موقع لوندي ماتان بدقة المسار الذي يجب اتباعه للإنخراط والإلتحاق بالجبهة.
تلك كانت الطريقة التي تمكنت من خلالها الولايات المتحدة من إرسال الفوضويين من جميع أنحاء العالم لكي يموتوا من أجل مصالحها في سوريا. الفوضويون لا يشكلون فرقاً مهماً على الصعيد العسكري الصرف، لكن ما هو مثير للإهتمام بالنسبة لها على الصعيد النفسي : دعم اليسار "الجذري" لإنشاء "إسرائيل جديدة" يكون فيها حزب العمال الكردستاني "اليسار الكردي"، لكن السلطة تبقى دوماً في يد الأطلسيين والصهاينة.
يبقى أن نعلم مالذي سوف تعنيه عودة اليسار الثوري إلى فرنسا. إنه أمر لا يبعث على الطمأنينة رؤية موقع للدعاية مثل لوندي ماتان يعلن عن نفسه أنه صوت الفوضويين ويدعو إلى أعمال الشغب والعنف. هذا العنف الذي سوف يندلع عاجلاً أم آجلاً بسبب الوضع الكارثي في فرنسا، ومن البديهي أنه توجد في أدراج البنتاغون مخططات جاهزة.
مقطع من محادثة على المسنجر مع ناشط تحرري:
[ حسناً هنالك سؤال حقيقي: لو كانت فرنسا تحت تهديد بلد فاشي وهذا البلد يدعم ثورة في فرنسا، مالذي ستفعله؟]
/ الثورة بكل تأكيد/
 
6 تشرين الأول 2017
 
المصدر:
http://www.librairie-tropiques.fr/2017/10/gauche-revolutionnaire-la-grande-manipulation.html
 

التعليقات

  1. نضال الماغوط
    #1 نضال الماغوط 11 October, 2017, 05:16

    مقال توصيفي دقيق يعري قوى اليسار الناتوي الذي لعب ويلعب دورا تأمريا في خدمة المشروع الامبريالي الاحداث صحيحة...يعرفها كل انسان موضوعي..شكرا علي ابراهيم للترجمة

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي