البرزاني.. وخيارشمشون: محفوظ علي

2017-09-15 02:17 AM مقالات ودراسات
البرزاني.. وخيارشمشون: محفوظ علي
منذ أكثر من قرن من الزمن لعبت عائلة البرزاني دوراً تاريخيا في استقطاب الكرد حول قضية التحرر والاستقلال.. وكانت البداية مع "الشيخ محمد البرزاني" الذي تقدم بعريضة للسلطان العثماني تتضمن: الاعتراف بحقوق الاكراد في التكلم بلغتهم وتعليمها في المدارس، ووضع موظفين اكراد لادارة شؤون المناطق الكردية.. وانتهى الامر بالشيخ باعتقاله وسجنه في "بدليس" ومن ثم وفاته في سجنه عام /1907/ وخلفه ابنه "عبد السلام" الذي طور علاقته مع بعض التشكيلات الكردية كـ(جمعية هيضي) و(جمعية يقظة الكرد) و(جمعية الترقي والمعالي الكردية).. ومد جسورا مع شخصيات كردية نافذة كالشيخ "البرزنجي" والشيخ "النهري" و"سمكو أغا.". وبادر الى تقديم عريضة تشابه في مطالبها ما قدمه والده، وانتهى به الامر سجيناً بأمر من السلطان العثماني، ومن ثم نفذ به حكم الإعدام في الموصل شنقاً عام /1913/. ولم تهدأ عائلة البرزاني فقام أخوه "الشيخ احمد" بتزعم ثورة مسلحة حاربت الحكومة العراقية ومنعتها من اقامة المخافر على مناطق نفوذ الاكراد ونشبت معارك بينه وبين قوات الحكومة المدعومة من الانكليز عام 1930.. وقصفت الطائرات الانكليزية المدن والقرى والجبال الكردية وتم اعتقال الشيخ احمد عام 1931 بعد ان سلمته الحكومة التركية التي لجأ اليها الى الحكومة العراقية.. وعاش متمتعا بالعفو في مدينة السليمانية.. لكن الاعتداءات استمرت على القوات الحكومية بزعامة الشقيق الاصغر "مصطفى البرزاني" وقاموا بقتل قائمقام ومجموعة موظفين حكوميين، فأعلنت حالة الطوارئ واخمدت تلك الثورة عام /1935/، لكنها أسهمت في تظهير زعامة "مصطفى البرزاني" القوية للشعب الكردي في تلك المرحلة.
وعاود الملاّ مصطفى ايقاد الثورة عام 1945 مطالبا بمجموعة اكبر واخطرمن المطالب الاستقلالية التي تؤثر على الوحدة العراقية.. ونشطت منظمة سياسية هامة هي (هيوا)، وتعني الامل، وكان لها دور في انشقاق الكثير من الضباط العراقيين الاكراد والتحقوا بالثورة.. وهذا ما أجّج نار الحرب بين الطرفين. وما لبثت الثورة ان انتقلت الى ايران، وصارت في مواجهة دولتين. ولن نستفيض بالمجريات التاريخية الدموية وصولا الى مرحلة حكم "صدام" للعراق، لأن هذه الحركة هزمت في جميع معاركها المتعددة وعادت الاطراف الكردية الى اوطانها ولكن عائلة البرزاني تابعت شحن الكرد بالمطالب القديمة الى ان انتهى بهم المطاف مع "مسعودالبرزاني" الذي اعتبر ان الغزو الامريكي للعراق /2003/ هو عامل تشجيع على المطالبة بالانفصال النهائي. حيث عوملت المناطق الكردية معاملة خاصة وتم تجنيبها الكثير من الاعتداءات الارهابية وأغدقت عليها الكثير من المساعدات والاستثمارات الاقتصادية واستاثرت بكل الثروات النفطية العراقية الواقعة ضمن منطقة سيطرتها.. حتى صارت من اهم مناطق الاستقرار الامني الذي يشجع على العمل والاستثمار والسياحة، واصبحت الكثير من الدول والكثير من شعوب المنطقة تحسد تلك المناطق.
كما استطاع بناء قوة عسكرية متماسكة (البشمركة) ومدربة ومسلحة بشكل قوي من قبل امريكا والغرب بشكل عام وهذا شجعه على التمدد وفرض نفسه كلاعب قوي في الحرب على الارهاب.. لكن هذه القوة بدأت بالتمادي عراقياً واقليميا الى خارج مناطق تواجد الكرد تاريخيا.
ولكن البرزاني لم يقف عند تلك الحدود، واندفع خلف الاحلام الانفصالية القديمة لعائلته ضارباً عرض الحائط كل النصائح الامريكية والروسية والرفض السوري والعراقي والايراني والتركي، معتداً بالموافقة العلنية "الاسرائيلية" وبالموافقة الضمنية لدول السعودية والاردن والامارات. ان مجموعة رافضي الاستقلال هي الاقوى من حيث القوة الدولية السياسية النافذة ومن حيث الاعتمادية الواقعية للاعتراف بمشروعية تلك الدولة. كما انه لا يوجد منفذ لتلك الدولة الا من خلال الدول الاقليمية الاربع الرافضة (سوريا، العراق، ايران، تركيا) وبالتالي فهي ستكون دولة محاصرة ومعزولة،هذا على افتراض انها قامت..!!!
فالحالة العاطفية المشبوبة لدى قسم وازن من الكرد لا يمكن ان تغطي مخاطر الحالة الواقعية المشؤومة التي تنتظر ذلك الجموح غير العقلاني الذي عرفت به عائلة "البرزاني" تاريخياً.. ومع رفض اليد العراقية الممدودة حتى اليوم والتي تعد بتنفيذ مطالب كردية عالية من حيث اللغة والتعليم والحكم واقتسام الثروات نرى ان الامور تدخل في نفق مظلم لا تعرف عواقبه المستقبلية وخصوصا ان المنطقة واقعة في حالة انعدام وزن سياسي يخشى معه ان تكون كلمة السر لاعادة المصالحة بين الاطراف المتنازعة اقليميا على حساب الكرد.. وبذلك تكون حسابات "مسعود" لم تنطبق على حسابات "القوى الاقليمية" التي ترى في دعوته الانفصالية نذير تقسيم وشؤم على كيانانتها.
تبقى الاحلام في علم السياسة حافزاً وملهماً اذا توفر لها الواقع المناسب والادوات القوية، ولكنها تصبح أضغاثاً مرعبة اذا كانت خالية الوفاض.
نعم لمستقبل رغد وحر ومحترم للكرد ضمن اوطانهم.. ولا لأي نزعة تقسيمية يباركها الاعداء.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي