دستـورٌ علمـانيٌّ مُحَصَّـنٌ.. كي لا تتكـرّرَ الكـارثـة السـوريّـة: صالح العاقل

2017-11-26 19:20 PM مقالات ودراسات
دستـورٌ علمـانيٌّ مُحَصَّـنٌ.. كي لا تتكـرّرَ الكـارثـة السـوريّـة: صالح العاقل
يـردّ علينـا بعـضُ الأصدقـاءِ بـأنّ إقـرارَ "دستـورٍ علمـانيّ لسـوريـة المستقبـل" هـو مجـرّدُ "حُـلـمٍ" وأنّ المطـالبـةَ بـهِ بـلا جـدوى، متـذرّعيـنَ بـأن "المعـارضيـنَ لهـذا المطلـبِ كثيـرون"، وهـذا ردّنـا عليهـم:
ربمـا يكـونُ الهمـجُ والـزّومبي (والمتنفّعـونَ) مـن معـارضي الـدستـور العلمـانيّ كثيـرونَ، ولكنهـم، بـالتـأكيـدِ، ليسـوا أكثـرَ مـن أبنـاء الشعـبِ السـوريّ، الـذي اكتـوى بنـارِ الخضّـاتِ والحـروبِ، التي استُخـدمَ فيهـا الإسـلام السيـاسيّ كحصـانِ طروادة لتـدميـرِ بـلادنـا، كـلّ عقـديْـنِ أو ثـلاثـة..ونـارِ هـذه الحـربِ الأخيـرةِ، خـاصّـةً.
كمـا إنّ مستقبـلَ بـلادنـا وشعبنـا ـ بمـا في ذلـكَ مستقبـلُ أبنـاء هـؤلاءِ الهمـجِ والـزّومبي المعـارضيـنَ لـدستـورٍ علمـانيّ ـ أهـمّ بمـا لا يُقـاسُ مـن "معـارضتهـم"، والـدولـةُ التي تـريـدُ الحفـاظَ على وجـودهـا وديمومتهـا، لا تقيـمُ اعتبـاراً لـلنّسـبِ العـدديّـةِ في قضيّـةٍ مصيـريّـةِ كهـذه، بـل تفـرضُ دستـوراً كهـذا فـرْضـاً، وتحصّنـه بمبـادئ فـوقَ دستـوريّـة، أو مـوادّ فـوق دستـوريّـة، أو مـا يسمّى بمبادئ دستـوريّـة عليـا وقـواعـد مـؤسِّسـة لـلدستـور وحـاكمـة لـه..إلخ (وكلها تسميات لشيء واحد).
هـذه القـواعـد الـدستـوريّـة، بوصفهـا "قـواعـد تمـسّ قضايـا كبـرى ومصيـريّـة" وذات أبعـاد استثنـائيّـةٍ في الـدولـةِ، تتعلّـقُ بحقـوق ومصالـح ومستقبـل كـلّ فئـات الشّعـبِ دون استثنـاء، تمنـحُ حَصانـةً استثنـائيّـةً تجـاه التغييـر والتعديـل، تفـوق الحصانـةَ التي تُعطى لغيـرهـا مـن قـواعـد الـدستـور، بحيث يكـون تعديـلهـا أو تغييـرها أو إيقـافهـا، نتيجـة تعديـل الـدستـور أو تغييره أو تعطيلـه، أمـرًا بـالـغَ الصّعوبـةِ على أيّ سُلْطـة، إنْ لـم يكـن مستحيـلًا، فيصبـح لـدينـا - بـالنتيجـةِ - قـواعـدُ دستـوريّـةٌ أكثـرُ سمـوًّا مـن قـواعـدِ الـدستـور الأخـرى، والتي، بـدورهـا، أسمى مـن القـوانيـن العاديّـة.
ولا يُشتـرط في المبـادئ فـوقَ الـدستـوريّـةِ أن تكـون قـواعـدَ موجـودةً في صُلـبِ الـدّستـورِ، بـل قـد تكـونُ وثـائـق مستقلـة عنـه، كـإعـلاناتِ الحقـوق، مثـلاً، ويتـمّ إلحـاقهـا بـه، ومنحهـا الحصانـةَ الـلازمة، كــ"مبـدأ أعـلى". ومـا يمنـحُ المبـادئَ فـوقَ الـدستـوريّـةِ صفتهـا تـلـك، هـو مستـوى الحصانـةِ، التي تُعطى لهـا في الـدستـور.
ولمّـا كانـت الخشيـةُ مـن تكـرارِ هـذه الحـربِ غيـر المتمـاثـلـةِ قـائمـةً، دائمـاً، بسبـب طغيـانِ الأغلبيّـةِ الـدّينيّـة ـ والطّـائفيّـةِ ـ، يتحتّـمُ إقـرارُ مـادّةٍ ـ على الأقـلّ ـ فـوقَ دستـوريّـة تضمـنُ الهـويّـةَ العلمـانيّـةَ لـلجمهوريّـةِ العربيّـةِ السوريّـةِ.
ونحـنُ نـرى أنّنـا إزاءَ فـرصـةٍ ذهبيّـةٍ لإقـرارِ دستـورٍ كهـذا ـ ولـو عـن طـريـقِ فـرضـهِ فـرْضـاً، فـالغـالبيّـةُ العظمى مـن السـورييـنَ تلظّـتْ بـلهيـبِ مجـازرِ مـرتـزقـةِ الإسـلامِ السيـاسيّ وجـرائمهـم المـروّعـةِ وفتـاواهـم التي أبـاحـت القتـلَ والـذّبـحَ وشّـيّ المخـالفيـنَ في الـديـن والمـذهـبِ في الأفـرانِ، مـن الإخـوانِ المسلميـنَ وتفريخـاتهـم التكفيـريّـة حتى "جبهـةِ النصـرةِ" و"داعـش"، وجيـشُنـا العظيـمُ وصـلَ حـدودنـا الـدوليّـة، وقهـرَ أعتى جيـوشِ مـرتـزقـةٍ لـلإسـلامِ السيـاسيّ، تـمَّ تجنيـدهـم عبـرَ التـاريـخ، والعـالـمُ كلّـه، اليـومَ ـ بمـا في ذلـكَ الـدول المعـاديـة ـ بـدأ يعـودُ إلى سـوريـة المنتصرة، ورئـيـس الجمهـوريّـةِ قـويٌّ، داخليّـاً ـ وحلفـاؤنـا الـرّوسُ معـه "لـلعظـم" ـ ومـا عليـهِ سـوى أن يضغـطَ في اتجـاه فـرضِ دستـورٍ علمـانيّ.
صحيـحٌ أنّ هنـاكَ تيّـارٌ في السّـلْطـةِ مـراوغٌ ومتنفّـعٌ مـن جمـاعـاتِ الإسـلامِ السيـاسيّ وداعميـهِ الخـارجييـن، ومـازالَ يعـوّلُ، ويخطّـطُ لإعـادةِ الكـرّةِ معهـم، وكـأنّ شيئـاً لـم يكـن، كمـا حـدث في منتصفِ الثمـانينـات، بعـدَ هـزيمـةِ الإخـوان المسلميـن، وأنّ هـؤلاء الضبـاعِ يمـانعـونَ تثميـرَ انتصـارنـا العسكريّ في السيـاسـة، ولهـم منظّـروهـم وحبـايبهـم، ولكـنْ، ينبغي ألّا نكـفّ عـن الضغـطِ مـن أجـلِ دستـورٍ علمـانيّ يضمـنُ مستقبـلاً آمنـاً لـوطننـا وشعبنـا، كي يكـونَ ـ وتكـونُ سـوريـة ـ أمثـولـةً مشـرقـةً لـلشّـرقِ كلّـه.

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي