لواء اسكندرون في ذكرى سلخه.. نحو قراءة جديدة للقضية 1: سومر سلطان*

2017-11-29 15:32 PM مقالات ودراسات
لواء اسكندرون في ذكرى سلخه.. نحو قراءة جديدة للقضية 1: سومر سلطان*
دون مناسبة معينة!! أعيد هنا نشر مقال من جزأين كنت قد نشرته، عام 2014، بمناسبة ذكرى سلخ لواء اسكندرون. أتمنى أن نفيد من إعادة قراءته، مع مراعاة تغير بعض الأحداث، وخاصة حملات الاعتقال والقمع التي وقعت مؤخراً في اللواء. س.س
 
لا ريب أن الأزمة، التي تجتازها سورية، غيّرت الكثير من المفاهيم السياسية، وأفضت إلى إنشاء ثقافة سياسية جديدة. تغيّرت نظرة السوريين إلى القضية الفلسطينية، إلى «الأشقاء العرب»، وأصبح لمفاهيم «العلمانية» و«الديمقراطية» و«الحرية» مضامين جديدة. وما من شك أن من ضمن الموضوعات، التي تحتاج لمراجعات كثيرة ولتغيير وجهة النظر، التي ثبت قصورها على مدى عقود، هي قضية لواء اسكندرون، القطعة التي فصلت عن الضفة الشامية. وبعد أن نعيد قراءة القضية على ضوء سراج جديد لعلنا نعثر على إجابة شافية تكررت كثيراً مؤخراً، وهي: لماذا لا يقوم اللوائيون بمساعدة وطنهم سورية!
تقوم وجهة النظر السورية الغالبة، والمتبناة رسمياً، على تكرار المقولات البعثية، والتي تختصر القضية ببضعة رجال وأحداث من العقد الرابع في القرن العشرين. تختصر القضية بـ«عصبة العمل القومي» المندثرة، التي يقول كتاب التاريخ الرسمي، الذي يدرس في المدارس السورية، أنها قامت بأعمال واحتجاجات «حازت على كل تقدير». وتختصر برجال قلائل لن نقلل من شأنهم، ولكنهم أمسوا جزءاً من تاريخ ليس قريباً.
وللدلالة على القصور في التناول، نعود إلى أشمل كتاب تناول القضية اللوائية، وهو كتاب «قضية لواء اسكندرون»، لمؤلفه محمد علي زرقة البعثي القديم، وأحد حواريي مؤسس حزب البعث العربي زكي الأرسوزي. (3 مجلدات – دار العروبة – بيروت – 1994) فالكتاب أثبت ووثق مئات الأحداث التاريخية الكبيرة والصغيرة، المتعلقة بالقضية اللوائية. ولكنه في أحد ملاحقه يعترف بنقص هام؛ إذ أن الكاتب يتحدث عن تجربة شخصية له مع رجل يحمل سلاحاً في أسواق أنطاكية، ويبدو أنه من رجال العصيان المسلح، الذين تطلق عليهم الثقافة الشعبية اسم «الجتا». ويقول الكاتب أنها تجربته الوحيدة مع هذا النوع من المقاومة! أي أن مؤلف أشمل كتاب عن قضية لواء اسكندرون، يعترف بالقصور في تصوير جانب هام جداً من النضال اللوائي، وهو العصيان الشعبي المسلح. مما يعني دون ريب نقصاً فادحاً في الوعي المعاصر اتجاه حدث تاريخي مصيري. وأنصح بالرجوع إلى رواية الكاتب السوري اللوائي حنا مينه، «شرف قاطع طريق»، التي تدور أحداثها في مثلث أنطاكية – الحربية – السويدية، في عشرينيات القرن الفائت، لفهم طبيعة هذا النوع من التمرد الفطري على الظلم الأجنبي.
ومن المرويات التي سمعناها أيام كنا صغاراً نضيف حالة ذلك الفارس الشعبي، من أعمال قرية عين الجاموس التابعة لأنطاكية، الذي قبع أربعين يوماً في جوف شجرة حور، يقنص جنود الاستعمار الفرنسي، حتى أحس به الفرنسيون، واشتبكوا معه حتى نفذت ذخيرته، وأحرقوا الشجرة وهو فيها، ثم انثالوا إلى منزله فأحرقوه بمن فيه من أطفال ونساء. واشتبك أحد أنسبائه من بعده مع الأتراك وسال بينهم ما سال من دماء. ثم كان حفيد الأخير من أبرز رجالات النضال اللوائي في عقدي الثمانينات والتسعينات. وهو الذي دمر معسكراً لتنظيم الإخوان المسلمين في قرية بخشين اللوائية، بالقرب من جسر الشغور السورية، خلال الثمانينات. وبسببه دخل كل رجال العائلة، من سن معينة، وما فوق السجن. وحتى أن رجالاً من عائلات اخرى تصادف أنها حملت نفس الكنية دخلوا السجن أيضاً. ثم كان ابن الأخير هدفاً لعدد من جلاوزة نظام أردوغان، فهاجموه إعلامياً، وهددوه، وطردوه من بلاده، وطاردوا كل من يمت له بصلة.
 
واقع القضية:
على وقع ما سبق ندعو لقراءة عصرية للقضية اللوائية، قراءة تحدد العناصر الحالية، لا عناصر عقد الأربعينات. ولا شك أن توصيف الواقع هو أول خطوة لتغييره إلى واقع أفضل.
ونحن، من موقع أننا على التصاق يومي بكل التطورات والأحداث في اللواء والضفة الشامية معاً، نقترح على المهتمين بالمسألة أن يتعمق البحث في ثلاث نقط مبدئياً، وهي: التتريك، الفراغ السياسي، محدودية دور الأحزاب في سورية
 
التتريك:
قضية التتريك ربما هي الفيصل لمستقبل القضية بأسره. فبعد سبعين عاماً منه أصبحنا نجد عبئاً ثقيلاً وبالغاً في العودة إلى الجوهر العربي السوري الكامن في النفوس. لقد اعتبرت الأنظمة التركية المتعاقبة اللغة والثقافة العربيتين عدواً لها. وأصبحت اللغة التركية ميزة من أجل العمل والتجارة والتأقلم مع سادة البلاد، في حين كانت اللغة العربية في كثير من العهود سبباً للاتهام بتهم سياسية ولملاحقات ظالمة. وهو ما أضعف مكانة اللغة العربية.
ولا نبرئ الكثير من اللوائيين، الذين خنعوا للظروف دونما مقاومة. وهو ما سنتناوله بالتفصيل في نقطة «الفراغ السياسي»
إذاً النقطة الأساسية والواجب الأول إكساب التعريب، والثقافة العربية، زخماً جديداً. وهذا بحاجة لجهود جبارة دون شك. ولكن دونها ضياع جديد. فقد أثبتت التجربة أنه إن لم نبادر بالهجوم فإن العدو لن يهدأ. ورأينا مؤخراً أنه لقاء إهمالنا عروبة لواء اسكندرون دفعنا ثمناً باهظاً تمثل في عمل أردوغان على تتريك أجزاء إضافية من سورية في حلب وادلب. وإذا ما أهملنا ذلك مرة أخرى فقد نصل إلى مرحلة يصل فيها التغريب إلى دمشق هذه المرة. ولا يستبعدن ذلك أحد، فقد رأينا ما آلت إليه الأمور عندما استخففنا بخطر «دعاة الحرية»
ولأجل هذه النقطة على كل الناشطين المهتمين في اللواء أن يكثفوا جهودهم لإقرار الحقوق الثقافية العربية لأبناء اللواء، وأن يبذلوا جهوداً لنقل الثقافة العربية إلى اللواء. كما أدعو كل سوري في الضفة الشامية إلى مساعدتنا في ذلك، ولا يستصغرن أحد من شأن نفسه، فنحن بحاجة لكل عون مهما صغر.
 
الفراغ السياسي:
نحن كما قلنا لا نبرئ كثيراً من اللوائيين. ونخص بالنقد فئتين؛ أولاهما وأثقلهما وزراً برأينا هي فئة «المثقفين»، التي تمدحها وتمجدها النظرية الرسمية السورية على أنها تمثل «عروبة لواء اسكندرون»؛ فهذه الفئة، التي تتصف بعدم الشجاعة وبنقص في عنادها، لم تصمد، بل هجرت بلادها، وقدمت إلى الضفة الشامية قاطعة كل علاقة لها مع مدنها وقراها الأصلية. وواضعة حداً لنشاطها السياسي ضد التتريك. وفجأة أصبح الشعب اللوائي دون رأس بالمعنى الحقيقي للكلمة. فـ«رؤوسه» في الضفة الشامية تسطر نظريات «الوحدة العربية» و«بعث الأمة العربية»، وعدد منهم وصل إلى مصاف الوزارات وقيادة البلاد. ويبدو أنهم أصبحوا يرون أنفسهم أكبر من قراهم الصغيرة في أنطاكية واسكندرون.
وبنتيجة هجرة هذه الفئة من «المثقفين» أصبح الشعب بلا قيادة. وهو ما أضعف مناعته ضد غزوات الفكر الأجنبي. واستمرت هذه الحالة من الفراغ السياسي حتى يومنا هذا، ولم توجد بعد قوة سياسية قادرة على أن تمثل امتداداً حقيقياً لـ«المقاومة»
وثاني الفئتين هي رجال الدين، وخاصة الإسلامي؛ فهم كان بإمكانهم بما لهم من مكانة روحية ونفوذ أن يقاوموا تهجم الغرباء على لسان القرآن الكريم. ولكنهم هم بدورهم أداروا ظهرهم للخذطر، دون أن ننكر وجود رجال دين مقاومين من بينهم، آخرهم هو رجل الدين الذي تتهمه السلطات التركية بلعب دور بارز في إلقاء القبض على بعض الفارين من سورية إلى تركيا، وتسليمهم إلى الإدارة السورية.
بالعودة إلى واقع الفراغ السياسي، فإنه يوجد في اللواء حالياً عدة قوى سياسية واجتماعية تدعي لنفسها العمل القومي. ولكنها جميعاً، دون أي استثناء، تفتقد للقاعدة الشعبية. وهي عاجزة عن التحرك المؤثر. ولذلك أسباب بعضها واقعي وموضوعي، وبعضها الآخر نابع من ذات القوى والقيادات الموجودة.
ونتيجة هذا الفراغ توزع جمهور سورية في اللواء على أحزاب يسارية تركية، أهمها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا. كما أثبت اللوائيون وجوداً هاماً في الأحزاب اليسارية الصغيرة؛ كالحزب الشيوعي التركي، وتنظيم «اليسار الثوري» المتشدد، وحزب العمال التركي.
 
محدودية دور الأحزاب في سورية:
إذا سألنا نفسنا هذا السؤال: «أي الأحزاب السورية يمتلك تمثيلاً في لواء اسكندرون؟» فالإجابة هي: «ولا أي واحد منها»
حزب السلطة الرئيسي، حزب البعث العربي، لا يمتلك خلية له في اللواء. وهذا تقصير رهيب من القائمين عليه اتجاه جزء غالٍ من «الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة». ولا يحاججن أحد بالمعونات التي تقدمها القيادة القومية للحزب للطلبة اللوائيين، فهذه الأخيرة لا تعني شيئاً من التمثيل السياسي. ونحن متأكدون من أنه لولا أنها بقية من تراث الرئيس الراحل حافظ الأسد، ولولا أنه أكد عليها مراراً، لضاعت في غياهب مكاتب الشعب والفرق الحزبية.
ولكن نأمل مع الأزمة السورية، والدستور الجديد، وإنهاء التماهي بين الحزب والدولة، أن يتحرر الحزب أكثر من الدبلوماسية التي تقيد عمل الدول، ويصبح بالتالي أكثر حرية في تعامله مع القضية.
ولا يقل الحزب السوري القومي عن حزب البعث في التقصير. ومع أنه عندما سلخ اللواء كان في أنطاكية خلية وصفت بالنشيطة للحزب فحسب علمي لا يوجد اليوم قومي سوري واحد في اللواء.
وبحسب بعض الناشطين فإن أحزاباً تحمل اسم «السوري القومي» عملت أو تعمل على إنشاء مديريات لها في اللواء، إحداها كانت محاولة كاريكاتورية. والمديرية الأخرى يقول بعض الناشطين أنها سرية. وأنا أشكك بهذا الكلام.
 
خلاصة:
ليس هذه دعوة للتشاؤم وإنزال الأشرعة. لا بل إن الأشرعة، وفوقها الرايات، لا تزال مرفوعة. يؤكد ذلك الحديث القدسي الشريف: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لا يبالون بمن خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحيي به دينه كما أميت من قبل» (ابن عساكر. ويقال أن الطالقان هي منطقة جبال آلبرز في إيران)
ولذا أقول لإخوتنا في البر الشامي أنه لا زال في أنطاكية رجال يجاهدون ليكونوا عند حسن ظن رسول الله (ص) بهم، وأن الخير فيهم باقٍ. وهو ما سيكون محور الجزء الثاني من سلسلتنا هذه، إذ سنتكلم عن اللوائيين الذين قتلوا والذين دخلوا السجون والذين عوقبوا بسبب وقوفهم إلى جانب سورية.
 
* كاتب سوري من لواء اسكندرون
 
ج2: http://orhay.net/index.php?singlePage=MTM1MA==

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي