لوائيون يدافعون عن سورية حتى رمقهم الأخير 2: سومر سلطان*

2017-11-29 15:42 PM مقالات ودراسات
لوائيون يدافعون عن سورية حتى رمقهم الأخير 2: سومر سلطان*
دون مناسبة معينة!! أعيد هنا نشر مقال من جزأين كنت قد نشرته، عام 2014، بمناسبة ذكرى سلخ لواء اسكندرون. أتمنى أن نفيد من إعادة قراءته، مع مراعاة تغير بعض الأحداث، وخاصة حملات الاعتقال والقمع التي وقعت مؤخراً في اللواء. س.س
 
أزعم أن من محددات الموقف السياسي للوائيين اتجاه سورية هو أن في سدتها «ابن حافظ الأسد» وربما يمكن القول أن التعلق العاطفي الفطري للوائيين بالقيادة التاريخية الفذة للرئيس الراحل حافظ الأسد هو من أهم الجوانب التي تشكل الوعي السياسي لجمهور سورية في أنطاكية وجوارها. وحافظ الأسد هو الأسطورة التي تتجه إليها عيون أغلب نشطاء العمل القومي في اللواء، والتي يحكون عنها حكايات مسائية لأطفالهم قرب المواقد، حكايات سمعوها من قبل من آبائهم وربما أجدادهم، حكايات تحصن أبناءهم من الانجرار وراء خرافات كتب التاريخ التركية. أما الرئيس بشار الأسد فهو بالنسبة لهم ميراثه وتركته. ولذا فإن وقوفهم معه هو وفاء منهم لذاكرتهم الشعبية، وهو إثبات منهم أنهم أولاد صالحون لآبائهم وأمهاتهم.
في سورية يواجهني الإخوة السوريون بتساؤل مفاده: «ماذا فعل اللوائيون من أجلنا؟» وهو تساؤل مشروع تماماً. وبشكل عام يكون جوابي من شقين؛ أول الشقين هو سؤال معاكس عما فعلته الدولة السورية للوائيين، والشق الثاني هو تعداد بعض ما فعله اللوائيون من أجل القضية السورية مما أهمله الإعلام السوري الرسمي وشبه الرسمي. وهنا سأحاول مطولاً أن أقدم تصوراً عن المسألة، مع تركيز على الشق الثاني، إذ أننا في الجزء السابق من الدراسة استوفينا التقصير السوري اتجاه لواء اسكندرون حقه. وفي ذكرى سلخ لواء اسكندرون سنعطي لنفسنا حق كشف بعض الخفايا للمرة الأولى.
خرجت في أنطاكية عشرات المظاهرات المتضامنة مع سورية. وأخص بالذكر بلدتي السويدية والحربيات، إضافة لحي العرمطلية في أنطاكية. والأخير شهد مواجهات شرسة بين شبانه وقوات الشرطة التركية، صيف 2013، على مدى عدة أيام. وقمعت تظاهراتهم بالحديد والنار، وانجلت عن شهيدين؛ أحدهما قتل بقذيفة غاز مسيل للدموع أطلقت من مسافة قريبة جداً لدرجة مريبة بحيث أصابت صدغه، وتركته ينزف حتى قضى نحبه؛ والآخر أسقطه قناص من سطح مبنى اعتلاه ليرمي بالحجارة على قوات الشرطة التي كانت تحاول اقتحام الحي العروبي الثائر. وبحسب صديق مشترك فقد كانت أمنيته الأخيرة قبل مقتله أن يحج إلى دمشق ليهنئ أسدها بالنصر. وانضم لهما شاب لوائي ثالث في مدينة “أسكي شهير”، التي يقيم فيها للدراسة. اجتمع عليه بضعة عشر شرطياً وضربوه بهراواتهم وأحذيتهم حتى قضى نحبه على أيديهم إثر إصابته بنزف دماغي حاد.
كانت هذه الموجة من التظاهرات مميزة، فهي شهدت للمرة الأولى منذ السبعينات تحرير الحي بالكامل من أي وجود رسمي لأجهزة الدولة التركية. وأقام المتظاهرون حواجز بدائية على مداخل أزقتهم من أثاث منازلهم، وحين حاولت مدرعات الأمن الأردوغاني اقتحامها أضرموا فيها النيران، واعتلى بعضهم الأسطح ورمى بكل ما يقدر عليه فوق المدرعات، وحتى أن بعضهم فكك خزانات المياه وأسقطها فوق المدرعات المهاجمة. وتسلح بعضهم بأكياس من الألوان الزيتية، يرميها على زجاج المدرعات حتى لا يرى سائقوها أمامهم. وبعضهم الآخر سكب زيت الزيتون أمام عجلات المدرعات. ولا داعي للقول أن عشرات اللوائيين اعتقلوا يومها. ولكنهم قبل ذلك كانوا قد ألقوا القبض على بلطجية أجانب استأجرهم حزب أردوغان للتعرض للوائيين الموالين للإدارة السورية. وأما في السويدية فكان رجال الشرطة يخلون مخافرهم خوفاً من الغضب الشعبي. وكان المشهد بشكل عام يحاكي مشاهد اقتحام قوات الاحتلال الصهيوني لمخيم جنين مثلاً.
ومع الأسف ترافق الأمر مع تكتم غريب للإعلام السوري عن تغطية المظاهرات بشكل كافٍ، حيث اقتصر على أخبار ضئيلة لا تقدم واقع الحال. وحتى الآن لم نفهم السبب الموجب لهذا.
وسأقدم مثالاً أوضح على ما أريد قوله؛ ففي المظاهرة الأخيرة التي خرجت في لواء اسكندرون، والتي غطتها وسائل الإعلام السورية على غير عادتها، حدث أمر مخجل؛ فقد نقل موقع تركي كمالي المظاهرة، وحرفها عن وجهتها الحقيقية، زاعماً أنها خرجت احتفاءً بذكرى إطلاق اسم “هاتاي” عليها. والأمر المخجل ليس هنا، بل في أن وسائل الإعلام السورية الرسمية لم تنقل المظاهرة اعتماداً على مصادر في الأرض، بل نقلت الخبر عن الموقع الكمالي، ولكن محرر وكالة الأنباء الرسمية “سانا” اعتبر نفسه أذكى من الكماليين، فصور المظاهرة على أنها احتجاج على إطلاق اسم “هاتاي”. وإني، إذ أزعم لنفسي معرفة جيدة بالأمر، أكذب كلا الروايتين، فلم يكن للشبان، وللسيدات بعمر أمهاتهم، اللواتي خرجن معهم، من هدف سوى أن يعربوا عن تضامنهم مع سورية والشعب السوري، ولهذا الأمر رفعوا صور الرئيس الأسد، والسيد نصر الله. ولمزيد من التأكيد، نكشف للمرة الأولى أن المجموعة، التي دعت للمظاهرة ونظمتها، اسمها «فدائيو الأسد»
ويقول أحد الناشطين فيها: «لا نقوم إلا بواجبنا اتجاه إخوتنا وأحبائنا في سورية. ومن يعلم لربما يأتي يوم يقدمون هم لنا فيه المساعدة ضد فرعوننا المحلي»
وكانت الديمقراطية وسيلة فعالة أيضاً بيد أنصار التيار القومي العربي في اللواء. فعندما اقتربت الانتخابات البلدية رشح «العدالة والتنمية» وزير العدل السابق سعد الله أرغين لبلدية «هاتاي» (الاسم التركي للواء اسكندرون). ورشح «الشعب الجمهوري» شخصاً اسمه لطفي صواش. وقرر أنصار الإدارة السورية دعم الأخير. وزاد في حماسهم له أن أرغين صرح بأن فوز صواش «يعني رفع راية الأسد في هاتاي». وكان للمعركة بعد آخر يتعلق بأن البلديات عموماً في تركيا تتمتع بصلاحيات واسعة، وبأن البلديات الملاصقة للحدود تلعب دوراً في إيواء المسلحين، وتوفير احتياجاتهم تحت مسمى المساعدات الإنسانية. وزاد في الاحتدام أن الانتخابات تزامنت مع اشتباكات كسب.
وبالنتيجة فاز مرشح «الشعب الجمهوري» فوزاً ساحقاً. ففي بلدة مثل الحربيات بلغت نسبة التصويت له أكثر من 95%.
للمرة الأولى نتحدث عن خلايا لوائية تشكلت ذاتياً، بعضها تولى استهداف المسلحين، وخاصة الأجانب. وبعضها الآخر عمل على «تنظيف» بيئته بيده من كل الشوائب المريبة. وربما تكون هذه هي قصة الشيشاني الذي اختفى فجأة هنا ولم يعرف مصيره، أو السعودي الذي هشمت أسنانه هناك. وبناءً عليه لا نستغرب أن تحدث عملية مداهمة أردوغانية قريبة للتخلص من هذه الخلايا، التي شهدت مؤخراً نمواً جيداً. ولدينا معطيات موضوعية حول ذلك. كما أن لدينا معطيات أخرى توحي بأن نظام أردوغان قد يلجأ لطريقة أخرى، وهي دفع ميليشيات وعصابات مسلحة لـ«تأديب» جمهور سورية في تركيا.
يقول عضو في إحدى هذه المجموعات بأنهم تعلموا درساً وهو ألا يسلموا من يقع بيدهم من المسلحين إلى السلطات التركية، إذ أنها لا تلبث أن تفرج عنهم وتلحقهم بمجموعات أخرى. وقال أن بعض عناصر الأمن الأتراك اعترفوا بعجزهم وقلة حيلتهم أمام سلطة الحزب الحاكم التي تمنعهم حتى من أخذ أقوال المسلحين المقبوض عليهم.
هذه المجموعات لا تتبع «مرجعية أمنية»، ولا يمولها رجل أعمال من «المقربين»، ولا ترعاها شركة «سيرياتيل»، ولا تأخذ أوامر وتعليمات من «فوق». بل تعمل بهدي فطرتها فحسب بإمكاناتها البائسة. ولكنها تعمل ما بوسعها للتعويض عن الفراغ السياسي الذي تكلمنا عنه في الحلقة السابقة.
مثال آخر هو في الأشخاص التسعة الذين خرجوا من السجن مؤخراً بعد أن دخلوه بسبب عملهم على تأمين مساعدات إنسانية من أهل اللواء إلى الشعب السوري في الضفة الشامية. وهناك إضافة لهم عشرات السجناء، منهم من سجن بسبب تعاونه مع الأمن السوري، ومنهم من سجن لإبدائه معارضة فطرية غير منظمة لسياسة تركيا اتجاه سورية والشعب السوري.
مثال آخر هو في حالة الصحفي اللوائي حسن قباقولاق، الذي دخل عامه الثالث في السجن، بعد أن كشف للمرة الأولى عن وجود معسكر سري تديره الاستخبارات التركية في قرية اسمها “قزل تشاط”. وهو المعسكر، الذي منه انطلق المسلحون إلى مدينة كسب ليحتلوها، وكانوا قد احتلوا قبلها، انطلاقاً من نفس المعسكر، بلدة ربيعة، وعدة قرى تابعة لناحية قسطل المعاف، في الريف الشمالي لللاذقية.
ولأوضح مسألة التغطية الإعلامية السورية القاصرة، أعود إلى ما حصل معنا أثناء معارك كسب. ففي تلك الفترة الحساسة، خرجت مظاهرات في الحربيات للاحتجاج على السياسة التركية اتجاه سورية. وقرر المنظمون أن يقوموا بمظاهرة مميزة أخرى، على أن يزحفوا إلى الحدود إن رأوا الظروف مناسبة ليشكلوا حاجزاً بشرياً أمام عبور المسلحين إلى الضفة الشامية. وكلفونا بتأمين التغطية الإعلامية السورية لهم، وهكذا استعد عدد من المتظاهرين لتصوير المظاهرة ونقلها عبر "سكايب" لبثها مباشرة. ولكننا عجزنا عن العثور على قناة سورية أو «مقاومة» ترضى بتخصيص هوائها لنقل حدث هام كهذا. فكل القنوات التي طرقنا أبوابها رفضت. وبالمحصلة توقفت خطة الزحف إلى الحدود، ولكن اللوائيين عوضوا عن ذلك عبر إيقافهم لسيارات الإسعاف التي تنقل المسلحين الجرحى العائدين من جبهة كسب، وتعرضوا بالضرب للمسلحين فيها، واضطرت سيارات إسعافهم إلى سلوك طريق التفافية طويلة. وهو ما قمنا بنشره يومها.
لوائي غيور أشار إلى الشعارات اليومية، التي يرددها الطلبة يومياً في المدارس التركية. وهي شعاران؛ شعار «أبتاه، نحن على خطاك» الذي يشير إلى أتاتورك، حيث يعني اسمه هذا «أبا الأتراك»؛ وشعار يقول: «أنا تركي، أنا مصيب، أنا مجتهد». ويحدثنا اللوائي أن عائلته علمته أنه عند ترديد الشعار الأول يضمر في نفسه بكلمة «أبتاه» الرئيس الراحل حافظ الأسد، وعند الشعار الثاني يقول في نفسه سراً: «أنا عربي، أنا مصيب، أنا مجتهد»
ومن بقعة ما، تواصل لوائي آخر مع كاتب هذه السطور. كان بالكاد يكفكف دموعه، ويرجو أن يعطيه «الإخوة في سورية» دوراً ما يؤديه، وهو في مكانه، حتى يتمكن من مساعدة ابن حافظ الأسد دون أن يضطر لترك عمله الذي يعيل به عائلته، حيث تبين أنه يعمل مستخدماً في بقالية. وأكد أنه إن لم يكن من بد لانتقاله إلى سورية فلا مانع لديه، وعائلته ستبقى حينها «في عهدة الله والإمام علي».
 
* كاتب سوري من لواء اسكندرون:
 
ج1: http://orhay.net/index.php?singlePage=MTM0OQ==

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي