تونس لن تكون أردنا ثانيا و إنما ليبيا أخرى و ليس أكثر من ذلك و لا أبعد: إسماعيل القاسمي الحسني

2016-12-29 12:29 PM مقالات ودراسات
تونس لن تكون أردنا ثانيا و إنما ليبيا أخرى و ليس أكثر من ذلك و لا أبعد: إسماعيل القاسمي الحسني
يبدو أن السلطة في تونس قد استكملت فصول خيار تموضعها من الخارطة الجيوسياسية و الأمنية، هذا الخيار المهم بالنسبة للأمن الإقليمي، الذي بدأ عنوانه البارز مع تولي السيد منصف المرزوقي مقاليدها ذات عام 2012؛ و الخطر في هذا الخيار أنه مبني على وهمين اثنين،  أولهما أن تونس تصبح قاعدة متقدمة للمحور الامريكوصهيوني على الحدود الشرقية للجزائر، يشكل الفك الثاني للكماشة، و تبقى تونس آمنة في رزقها و سربها تماما مثل الأردن مع سوريا، و الوهم الثاني المبني على الأول أن هذا الخيار سيجعل من الجزائر سورية ثانية.
 
حين اختارت السلطة التونسية عام 2012 محور فرنسا التي دعت لتأسيس ما سمي بأصدقاء الشعب السوري مع دول الخليج، ممثلة برئيسها حينذاك منصف المرزوقي، وذلك لتفجير الأوضاع في سوريا، كانت تعلم جيدا السلطة التونسية بأن فرنسا نفسها هي من كانت تشحن السلاح إلى آخر ليلة، و أضع خطا أحمرا تحت “عبارة آخر ليلة” من حكم زين العابدين بن علي، لم تكن الجزائر من يشحن السلاح؛ و كانت تعلم كذلك بأن وزيرة خارجية ساركوزي، هي من كانت تحلق في سماء تونس، لتعاين بنفسها حجم حراك الشارع، و على ضوء تقديره تحدد كمية السلاح الفرنسي (تطوعا) الذي يقمعه، و من المعلوم كذلك أن زين العابدين بن علي طلب اللجوء للجزائر أولا، و أعتقد أنني لست في حاجة لتحديد من استضافه بوصفه مستجيرا، ردا على وصف الدولة التونسية بأنه مجرم فار من وجه العدالة.
 
مع ما تقدم و هو حديث عهد برئاسة المنصف المرزوقي، اختار الانضمام إلى فرنسا راعية الديمقراطية و حقوق الشعوب، و محور دول الخليج الذي لا ينكر أحد في العالم قيادتها للديمقراطية و ريادتها في حريات التعبير؛ و هكذا مسحت من الذاكرة واقعة تسليح فرنسا لآخر ليلة لقمع الشارع التونسي، الذي بفضله هو أصبح المرزوقي رئيسا، و قلّد فرنسا وسام صديق الشعب السوري، و أصبح الرئيس الدكتاتور و السارق الفار من وجه العدالة مقيما في كوكب المريخ؛ العقدة ليست هنا فقط، و إنما في بناء هذا الخيار لمواجهة الجزائر و هنا مربط الفرس.
 
كان لافتا بالنسبة لي موقفان سجلتهما محاضر الجلسات المغلقة لمجلس وزراء الخارجية العرب في ما يسمى جامعة الدول العربية عام 2012، الأول كان بطله وزير خارجية قطر، حين وجه الخطاب للوزير الجزائري الذي عبر عن اعتراض الجزائر تدويل القضية السورية، محذرا إياه بصريح العبارة بأن الدور قادم على الجزائر نفسها، و على السلطة الجزائرية أن تهتم بشأنها قبل أن يداهمها إعصار النادي الملكي العربي؛ و قد لقي الرد الذي يستحق، و أذكّر هنا بأن السلطة الجزائرية تقدّر وفق معلوماتها و أدلتها الملموسة، بأن الهجوم على حقل تيغونتورين 2013 هو تجسيد لتهديد الوزير القطري؛ أما الموقف الثاني فبطله وزير خارجية منصف المرزوقي، و الذي كما زميله حاكى في انتفاخه صولة الأسد، و وجه إهانة و استهانة بالجزائر دولة و ثورة، اصطفافا مع الموقف القطري، و كاد لحظتها الموقف أن يتطور لما هو أخطر بكثير؛ و لا حاجة للتذكير بعلاقة الرئيس التونسي السابق قبل و أثناء توليه الرئاسة بقطر.
 
لا أتهم على جري عادة بعض النقاد السياسيين، السيد منصف المرزوقي بالعمالة و رهن قرار تونس السيادي لدول أخرى عن قصد مبيّت، لكن يمكنني القول بأن الرجل استدرج بحكم قلة خبرته و حالة الصدمة لكونه بات فجأة رئيس دولة بلا جهد منه و لا استحقاق، إلى حيث أراد المحور المعادي، فحالته أشبه برجل مدني هزيل و ضعيف البنية، لا خبرة له قتالية، أُلبِسَ فجأة بزة قوات الصاعقة، فتوهم بمظهره هذا، أنه بطل شديد البأس مفتول العضلات، له أكثر من عقد في ساحات القتال.
 
في ظل رئاسة السيد المرزوقي و وفق خياره لأن تكون تونس في محور فرنسا و دول الخليج التي تأوي إحداها سلفه بن علي، تهيأت الظروف الموضوعية كلها، لتأسيس منظمات تقوم بمهمة تسفير الشباب التونسي للجهاد المزعوم في سوريا، هذه الشركات الخاصة تحت مظلة أحزاب سياسية أو تيارات فكرية، و بتمويل و فتوى خليجية، تمكنت من تجنيد آلاف الشباب التونسي المحبط من أوضاع بلده، و انسداد الأفق فيه، و إذا كانت بعض تقارير هيئة الأمم المتحدة تشير إلى عدد خمسة آلاف مقاتل (مجاهد)، فهناك المركز الأماني فيريل للدراسات نشر شهر مارس الماضي، إحصاء قدّر أكثر من عشرة آلاف شاب تونسي، تمرسوا على العمليات الإجرامية، و نالوا بذلك في النهاية وصف “إرهابي” بامتياز و برتبة عالية.
 
لا أتحدث عن الأدوات، سواء كانت واعية لنتائج خياراتها أم لا، و إنما أتوقف عند دهاء المُخطِط الأول خلف ضرورة التدخل في الشأن السوري، و بهذا الشكل القتالي الإجرامي تحديدا؛ وفق قراءتي المتواضعة و متابعتي، لا أتصور المحور الامريكوصهيوني قد وضع احتمالا واحدا بتجنيده الشباب من أقطار عربية بعينها، و هو إسقاط نظام بشار الأسد كما سوّق منذ البداية، بل هو من الذكاء ما يجعله يضع احتمالا و لو بسيطا بعدم تحقيق الهدف، و عندئذ ما مستقبل عناصر الجماعات الإرهابية؟ هل ستُعِدُ لها سجون كغوانتنامو باعتبارها مثل مجاهدي أفغانستان من المنظور القانوني المتجرد من السياسة؟ أم توجه بخبراتها الإجرامية نحو دول أخرى؟. بل السؤال موضوعي حتى في حالة إسقاط نظام بشار الأسد، عن مصير ألاف الإرهابيين التونسيين، هل يتوهم أحد أنهم جميعا سيبقون في سوريا !!؟.
 
مراجعة كرونولوجيا مواقف السلطة التونسية منذ 2012، بداية بركوبها قطار نيكولا ساركوزي لتدمير سوريا، مرورا بطرد السفير السوري و قطع العلاقات الدبلوماسية، معها تشجيع و تجنيد آلاف الشباب للقتال في سوريا، وصولا الى اتفاقيات أمنية و عسكرية مع بريطانيا و الولايات المتحدة، بموجب الأولى يتدخل جهاز المخابرات البريطاني عبر قنوات رسمية في الشأن التونسي، و بموجب الثانية تكون للولايات المتحدة قاعدة عسكرية تجسسية لطائراتها من دون طيار؛ لننتهي اليوم إلى مشهد ضرورة إعادة جيش من الإرهابيين الذين تمرسوا على القتل و التخريب في سوريا، و يا للمفارقة المذهلة، أن ترفض السلطة التونسية نفسها استعادة “الإرهابيين” التونسيين كذلك، لكنهم تحت يد السلطة السورية يقبعون في سجونها، لم تشفع لهم جنسيتهم و لا الحالة المرضية التي تحدث عنها السيد الغنوشي، و لا توسلات عائلاتهم التي تكلفت عناء المبادرة و السفر للقاء القيادة السورية بدمشق، و التي رحبت بهم و فتحت لهم مجال زيارة أبنائهم، و وعدتهم بإعادتهم متى طلبت الدولة التونسية ذلك بشكل رسمي و عبر القنوات المعروفة.
 
بهذه الكرونلوجيا و المعطيات، يمكننا أن نخلص إلى نتيجة مفادها، إعداد تونس منذ 2012 لأن تكون قاعدة للحلف الامريكوخليجي، مثلها مثل الأردن بمواجهة سوريا، و يمكننا فهم تهديد الوزير القطري حينذاك (2012) و صديقه التونسي، و يمكننا قراءة الهدف من الضغوط “الدولية” كما برّر نائب برلماني عن حزب النهضة لاستقبال آلاف الإرهابيين؛ و  الهدف من وراء ذلك كله هو الجزائر، التي شكلت عصا غليظة في دولاب جامعة الدول العربية و هيئة الأمم المتحدة، عطّلت كثيرا من الخطط لتدمير دول عربية، و اعترضت بقوة و صرامة على هذا المخطط الجهنمي، و أبقت على عقيدتها الراسخة حيال كيان العدو الإسرائيلي، الذي تداعت لخطب وده و رضاه في هذه المرحلة (2012-2016) دول النادي الملكي، و انخرطت السلطة التونسية معه في هذا الاتجاه كذلك؛ تجدر الإشارة هنا أنه ليس من قبيل الصدفة أن تسعر نار الحرب على الحدود الغربية الجنوبية للجزائر، و لا هو من قبيل توارد الخواطر ارتفاع أصوات من السلطة المغربية تتحدث عن الحقوق التاريخية في موريتانيا.
 
و ختاما، إذا كان ما سبق ذكره هو الواقع أو قريبا منه، فعلى السلطة التونسية أن تنتبه للنقاط التالية:
 
1-    أن الشعب التونسي وفق حراكه في الشارع، و تصريحات كثير من رموزه الفكرية و الإعلامية و النقابية، يرفض بشكل قاطع لعب دور الأردن مع سوريا، لضرب الجزائر.
 
2-    أن الجغرافيا لها دور مؤثر في ميزان القوى، فإن كان الاردن قد استفاد من جارين على حدوده قويين، فهذا منعدم بالنسبة للجغرافيا التونسية، التي يحدها البحر، و دولة فاشلة بامتياز.
 
3-    أن الجزائر لها السبق على سوريا في مواجهة مجاميع الجماعات المسلحة، ما يعني أن خبراتها المتراكمة تكفي فوق الحاجة لصد أي اختراق فضلا عن الدخول في حرب.
 
4-    أن الجزائر أثبتت من خلال مواقفها و دبلوماسيتها، أنها لم تكن على مسبق بمآلات التطورات في المشرق فحسب، و إنما لا محالة أنها وضعت في حسبانها تداعيات خيار المرزوقي عليها و أهدافه، و الصمت قد يعني القوة أكثر مما يتوهم البعض ضعفا.
 
5-    أن القوة الناعمة الجزائرية في الساحة التونسية، أكثر اتساعا و تجذرا من السورية في الأردن.
 
6-    أن ليبيا بعد خرابها، لم يجد رجالها غير الجزائر محجا للخروج من وضعها الكارثي.
 
أخيرا، أعتقد بأن السلطة التونسية إن كانت فعلا، قد قدّرت في حسابها إمكانية لعب دور الاردن حيال سوريا، و تبقى بعيدة ذات الوقت عن تداعياتها، فنحن نعتقد العكس تماما، و هذا الخيار لن ينتهي بتونس إلا لحالة مطابقة لحالة ليبيا، و ساعتها كما هي الحال معها، لن ينفعها نادي الملوك قطعا، و لا كل المحور الامريكوصهيوني، الذي ما دخل بلدا عربيا إلا أتى على قواعده.
 
و الله المستعان
 
فلاح جزائري
 
2016-12-28

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

السياسة الخارجية الأميركية