وحدها السيادة الوطنية تقدمية: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

2017-12-09 19:08 PM ترجمات خاصّة
وحدها السيادة الوطنية تقدمية: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم
أثناء انعقاد القمة الخامسة والعشرين للدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية، بتاريخ 26 تموز/ يوليو 1987، أدان رئيس المجلس الثوري في بوركينا فاسو الاستعباد الجديد الذي تخضع له أفريقيا قائلاً : "إن أصول الديون تعود إلى أصول الاستعمار. إن أولئك الذين أقرضونا المال، هم أنفسهم من قاموا باستعمارنا، إنهم هم من يحكمون دولنا واقتصادياتنا، المستعمرون هم من تسببوا بالديون الأفريقية لدى الجهات المانحة." إن الديون رمز للاستعمار الجديد. إنها تؤبد فقدان السيادة الوطنية، وتتسبب بخضوع الدول الأفريقية الناشئة لمطالب القوى الاستعمارية السابقة.
لكن الديون هي أيضاً الفوائد البغيضة التي تتغذى منها الأسواق المالية. ضريبة طفيلية على الاقتصاديات الهشّة، تساهم في إثراء الأغنياء في الدول المتقدمة على حساب الفقراء في الدول النامية. "الديون (...) التي تسيطر عليها الإمبريالية هي عملية استيلاء جديدة منظمة بشكل مدروس من أجل أن تخضع أفريقيا ونموها الاقتصادي وتقدمها لمعايير غريبة عنها كلياُ، بحيث تتحول كل دولة من دولنا إلى عبد للتمويل، أي عبد لأولئك الذين امتلكوا الفرصة، والخداع والمكر بوضع رؤوس أموالهم لدينا وفرض سندات تحصيل قانونية".
حتماً، كان ذلك تجاوزاً للحد. في 15 تشرين الأول/ اكتوبر 1987، سقط توماس سانكارا برصاص المتآمرين لصالح مشروع "أفريقيا الفرنسية" وأرباحه الهائلة. لكن الضابط الشجاع في هذه الثورة التي تم خنقها أعلن عن الشيء الجوهري: إن أي بلد لا يمكن له أن يتطور ما لم يكن سيداً وأن هذه السيادة لا تتواءم مع الخضوع لرأس المال المعولم. و دولة ساحل العاج، المجاورة لبوركينا فاسو، تعرف هذا الأمر: لقد تمّ التسبب بإفلاس هذه المستعمرة، التي تعتمد على محصول زراعي وحيد هو الكاكاو وتصديره منذ سنوات 1920، عن طريق تخفيض أسعاره في السوق وبالتالي دخول البلاد في حلقة الديون الجهنمية.
تقدر القيمة السوقية للشوكولا بحوالي 100 مليار دولار وتتحكم بها ثلاث شركات متعددة الجنسية (واحدة سويسرية وأخرى أميركية وثالثة إندونيسية). مع تحرير السوق الذي تطالب به المؤسسات المالية الدولية، تقوم هذه الشركات المتعددة الجنسية بإملاء شروطها على كامل قطاع صناعة الشوكولا. سنة 1999، طالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بإلغاء السعر العادل للمزارع. تم تخفيض سعر شراء المحصول من صغار المزارعين إلى النصف، ما اضطرهم إلى تشغيل مئات الألاف من الأطفال- العبيد لكي يستمروا. أجبرت البلاد، التي أفقرها انخفاض السعر في السوق المترافق بزيادة كبيرة في الإنتاج، على تخفيض الضرائب على الشركات. وهذا ما أفقدها موارد هامة، وحول البلاد رهينة للديون ولعبة بأيدي السوق وأدى في النهاية إلى إركاعها.
إن حالة ساح العاج نموذج يمكن تدريسه في المدارس. بلد صغير ذي اقتصاد يعتمد على الخارج (يشكل الكاكاو 20% من الناتج الإجمالي و 50% من الصادرات) تم نسفه بالمعنى الحرفي من قبل الغرباء الذين لا يستهدفون سوى زيادة أرباحهم إلى الحد الأقصى بالتآمر مع المؤسسات المالية وعمالة المسؤولين الفاسدين. فهم توماس سانكارا الأمر جيداً: طالما أن البلد النامي خاضع للسوق، فإن استقلاله محض خيال. ما لم يقطع روابطه مع العولمة الرأسمالية، فإنه محكوم بالتبعية وبالفقر. أطلق سمير أمين على عملية القطع هذه ما أسماه "قطع الصلة مع النظام العالمي"، وذلك في كتاب يشبه النبوءة صدر سنة 1985.
حين نقوم بتحليل تاريخ النمو، نجد بوضوح أن: البلدان الأفضل نمواً هي التي حققت سيادتها الوطنية بشكل تام. جمهورية الصين الشعبية والبلدان المتطورة حديثاً في شرق آسيا، على سبيل المثال، انتهجت سياسات اقتصادية مرنة وشجعت التصنيع بوتائر متسارعة. ارتكزت هذه السياسات- ولاتزال ترتكز بشكل واسع- على ركيزتين: الإدارة الموحّدة للجهود العامة والخاصة بتوجيه الدولة القوية، والتبني شبه المنهجي للحمائية الانتقائية.
إن حصيلة كهذه يجب أن تكون كافية لكنس الأوهام التي غذتها الإيديولوجيا الليبيرالية، بعيداً عن الارتكاز على حرية قوى السوق، فإن النمو الذي شهدته العديد من الدول في القرن العشرين كان نتاج الترابط بين المبادرات التي حددت الدولة قواعدها بشكل سيادي. ليس هنالك من بقعة يمكننا فيها رؤية النمو يخرج من قبعة ساحر الاقتصاد الليبيرالي. بل كان نتاج سياسة قومية وسيدة. حمائية، تأميم، انتعاش حسب الطلب، تعليم للجميع: تطول قائمة البدع التي بفضلها تجنبت هذه الدول- بدرجات متفاوتة وبثمن من التناقضات العديدة- أهوال التخلف.
رغم أن ذلك لا يعجب اقتصاديي الصالونات، لكن التاريخ يعلمنا عكس ما تدّعيه النظرية: للتخلص من الفقر، فإن وجود قبضة الدولة السيدة أفضل من يد السوق غير المرئية. هكذا فهم الدرس الفنزويليون الذين يحاولون منذ سنة 1998 أن يعيدوا للشعب حقّ التمتع بالثروة النفطية التي قامت الأوليغارشية الرجعية بخصخصتها. وهذا ما كان ينوي فعله محمد مصدق في إيران (1953)، وباتريس لومومبا في الكونغو (1961)، وسلفادور الليندي في تشيلي (1973) قبل أن تقوم المخابرات المركزية الأميركية بتصفيتهم وتغييبهم عن المشهد. وهذا ما كان ينادي به توماس سانكارا من أجل أفريقيا التي وقعت تحت نير عبودية الديون بعد تصفية الاستعمار.
سوف يعترض أحد ما أن هذا التشخيص غير دقيق، لأن الصين تحديداً شهدت نمواً صاعقاً بعد إصلاحات دينغ سياو بينغ الليبيرالية. هذا صحيح. إن الضخ الكثيف من الرأسمالية على واجهتها البحرية قد أمّن للصين معدلات نمو مذهلة. لكن هذه الحصيلة يجب أن لا تجعلنا ننسى أن الصين كانت في عام 1949 بلداً بائساً، دمرته الحرب. وللخروج من التخلف، رصدت جهوداً هائلة. تم هز العقليات الجامدة، وتحرير النساء، وتعليم الشعب. تم تجهيز البلاد وتأسيس الصناعة الثقيلة والتحول إلى دولة نووية ، كل ذلك تم الحصول عليه في ظل الماوية، رغم  دفع الثمن في التناقضات العديدة.
تحت راية شيوعية  تمت صباغتها بألوان الصين الأبدية، خلقت الشيوعية الشروط المادية للتطور المستقبلي. وإن كان يتم سنوياً بناء ناطحات سحاب تعادل ناطحات السحاب في شيكاغو، فذلك ليس لأن الصين أضحت رأسمالية بعد أن عرفت الشيوعية، بل لأن الصين أنجزت نوعاً من التركيبة الديالكتيكية بينهما. لقد وحدت الشيوعية الصين، أعادت لها سيادتها الوطنية وخلصتها من الطبقات الطفيلية التي كانت تعيق تطورها. حاولت العديد من دول العالم الثالث أن تفعل الشيء ذاته. الكثير منها فشلت، بسبب التدخل الإمبريالي.
لا يوجد أي نموذج في ما يخص النمو. لكن وحده فقط البلد السيد الذي يمتلك أشرعة كافية يمكنه أن يواجه رياح العولمة. دون السيطرة على نموه الخاص، فإن أي بلد (حتى لو كان غنياً) سوف يقع في التبعية ويحكم على نفسه بالفقر. إن الشركات العابرة للقومية والمؤسسات المالية الدولية أوقعت في شباكها العديد من الدول التي ليس لها أية مصلحة في الخضوع لها. بصفته قائداً لواحدٍ من تلك البلدان الصغيرة، طالب توماس سانكارا بحق الشعوب الأفريقية في الإستقلال والكرامة. وأحال المستعمرين من كل صنف إلى غرورهم وطمعهم. كان يعلم على وجه الخصوص أن مطلب السيادة الوطنية لا مساومة عليه وأنها وحدها تقدمية.
8 كانون الأول/ديسمبر 2017
 
* Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة.أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.
المصدر:
https://www.legrandsoir.info/seule-la-souverainete-est-progressiste.html
 

التعليقات

  1. عادل سمارة
    #1 عادل سمارة 10 December, 2017, 05:43

    نعم صحيح تماما. وهذا متطابق مع النموذج الذي طرحته منذ عام 1987 وهو التنمية بالحماية الشعبية. وصحيح ان امين نقد تجربة ساحل العاج وحذر من نموها المشوه ومن الصندوق.كل هذا يعني ان القرار السياسي حتمي للتنمية وليس المال.

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم