القدس وأحجية الاختيار: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

2017-12-11 09:38 AM ترجمات خاصّة
القدس وأحجية الاختيار: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم
يتبين من سذاجة التعليقات على الأزمة الحالية أننا لن نفهم الصراعات في الشرق الأوسط إذا نسينا الجوهر. الصهيونية ليست حركة تحرر يهودي، وليست قومية علمانية تقليدية. إنها استعمار قائم على أحجية الاختيار. ما إن يتم استقبال نتنياهو في الكونغرس الأميركي، حتى يبدأ بالحديث عن "الشعب المختار"  وباستذكار إيديولوجيا "القدر الواضح" الأميركية التي تقول بالمهمة الإلهية التي أوكلت لأميركا من أجل نشر الديمقراطية والحضارة. بتأييده المزاعم الإسرائيلية حول القدس، لا يكتفي ترامب بالدوس على القانون الدولي، بل إنه يصادق على الأسطورة التي تقوم عليها الدولة- المستوطنة من خلال تملقه للنرجسية الإسرائيلية.
 
إن الخشية هي من اتخاذ الصراع طابعاً طائفياً، لكن يتم نسيان أن هذا الصراع طائفي منذ نشأته الأولى. ليس بسبب المقاومة العربية، بل بسبب المشروع الصهيوني. في الحقيقة فإن الحركة التي يمكن تشبيه الصهيونية بها أكثر من أية حركة أخرى هي حركة المستعمرين الهولنديين في جنوب أفريقيا وإيديولوجيتهم حول تفوّق العرق الأبيض. في كلا الحالتين، يعتبرون أنفسهم الشعب المختار، وأن الحرب الاستعمارية تهدف إلى استعادة "أرض الميعاد". إن "دولة إسرائيل"، هذا الطفل المدلل للوعي العلماني الغربي، هي غرس استيطاني تم تبريره استناداً إلى العهد القديم.
 
مع أنهم على حق، فإن نفي الشرعية عن الصهيونية الذي يقوم به اليهود الأرثوذكس هو أمر خادع. يجب قراءة كتب المفكرين الصهاينة قبل العصر الإسرائيلي الذين أكدوا أن: الصهيونية لم تقم بخيانة اليهودية، بل جعلتها تتجاوز سلبيتها. واستبدلت انتظار المخلص بعمل سياسي، لكن هذا العمل يهدف إلى امتلاك "أرض إسرائيل"، في مكان ليس بعيداً عن الرواية التوراتية. لم تقم الصهيونية بعلمنة الآمال بعودة المسيح، بل جيّرتها لصالحها من أجل أن تزرع دولة غربية في الشرق الأوسط.
 
إن الغزو الاستعماري لفلسطين يرتكز على أحجية الاختيار، وهذه الأحجية تتغذى من جغرافيا المقدّس. إنها تفسر التوراة على أنها صك موثق، تلوح به كما لو أن نصاً دينياً يمكن له أن يؤسس حقاً يمكن محاججته. فهم تيودور هيرتزل، المؤمن حسب المناسبة، جيداً القوة الرمزية لهذه الخدعة. كتب هرتزل "إذا كانت المطالبة بقطعة أرض أمر شرعي، فإن على جميع الشعوب التي تؤمن بالإنجيل أن تعترف بحق اليهود". هل سيحتج أي إنسان غربي على أن قيام دولة يهودية في فلسطين ليس أمراً شرعياً، إذا كانت هذه الشرعية مستمدة من الإنجيل؟
 
إن المشروع الصهيوني يرتكز على فكرة بسيطة: التوراة هي المالك الشرعي، وهذه الملكية سيعترف بها الغرب المعجون بالثقافة الإنجيلية. يجب الاعتراف أن هذا الدور من الشعوذة قد أثمر. بعيداً عن كونها أمراً جديداً، فإن الصهيونية المسيحية هي أساس الصهيونية ذاتها. حيث أن فكرة عودة المنفيين من الشتات إلى الأرض المقدسة كانت فكرة بروتستانتية قبل أن تكون فكرة يهودية، وقد كانت الحكومة البريطانية المدافع المتقد حماسة عن هذه الفكرة في أوج امبراطوريتها. وليست مصادفة أن يبصر هذا المشروع النور بمباركة بريطانيا العظمى المغرمة بالعهد القديم.
 
للأسف، ليست هي المرة الأولى التي تمارس فيها فكرة عبثية قوةً مادية. بالنسبة للصهاينة، القضية مفهومة: إذا كان حق اليهود في أرض "إسرائيل" غير قابل للمساومة، فذلك لأنه مستمد من السماء. ومحاربة المشروع الصهيوني، هي إساءة لله، واعتراض على مشيئته. قبل الإعلان الأحادي الجانب لـ"دولة إسرائيل"، قال كبير حاخامات فلسطين أمام لجنة دولية : "إنها قناعتنا الراسخة  أنه ليس لأي كان، سواء كان فرداً أم سلطة قائمة، الحق في تغيير وضع فلسطين الذي أقامه الحق الإلهي".
 
سنة 2002، قال الجنرال إيفي إيتان، زعيم الحزب القومي-الديني: "نحن الوحيدون في العالم الذين نقيم حواراً مع الله كشعب. إن دولةً يهوديةً حقاً يجب أن يكون أساسها الأرض الممتدة من البحر إلى نهر الأردن والتي تشكل المجال الحيوي للشعب اليهودي". من المفهوم لماذا لا تستذكر الصهيونية، استناداً إلى مزاعمها، القانون الدولي، بل تستحضر وعد يهوه لإبراهيم: "لذريتك أمنح هذه البلاد، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (سفر التكوين،15).
إن هذه الأسطورة قد جعلت من القدس درة هذا الوعد. فمدينة داؤود هي خزانة مجوهرات الحضور الإلهي منذ أن أقام خليفته سليمان فيها المعبد الأول. هي فضاء الاتصال مع المقدس، وهي الشاهد على الملحمة العبرانية. والشهادة التي لحقت بها خلال دمارها زادت من قداستها، مع إضفاء النمط المشيخاني عليها. في الرواية الإنجيلية، القدس هي مركز التاريخ المقدس، لكن جولة القوة الصهيونية هي في جعل هذا التاريخ برهة قصيرة.
 
إن تحويل الرواية الإنجيلية إلى رواية تاريخية هو، مع ذلك، قصر من الورق حقاً. اندفعت "إسرائيل" بشكل عنيد بحثاً عن آثار عظمتها الماضية في القدس. بعد حفريات مسعورة، يتم عرض أصغر حلية كما لو أنها البرهان على مجد الأجداد، وقطعة خزف تشهد على إشعاع المملكة العبرانية السحيق. لكن هذا الهوس في التنقيب في الأرض الفلسطينية بحثاً عن المجد الضائع قد أظهر عجزه، وانتهى علماء الآثار الإسرائيليون إلى وضع حد لهذه الافتراءات.
"إن عمليات التنقيب التي جرت في القدس لم تقدم أي دليل على عظمة المدينة زمن داوود وسليمان". أكثر من ذلك : " أما بالنسبة للصروح الضخمة التي تمت نسبتها سابقاً إلى سليمان، فإن نسبتها إلى ملوك آخرين يبدو أمراً أكثر عقلانية. إن تداعيات مثل هكذا إعادة تمحيص هائلة. في الحقيقة، لو لم يكن هنالك من بطاركة، ولا خروج، ولا غزو كنعان، ولا مملكة موحدة ومزدهرة في عهد داوود وسليمان، فهل يتوجب علينا أن نستخلص أن إسرائيل التوراتية كما تصفها لنا كتب موسى الخمسة، وكتب يوشع، والقضاة، وإسماعيل، لم توجد أبداً؟"
 
هذه الشواهد لم يتم أخذها من نص ناقٍد ومعادٍ للصهيونية، بل من الكتاب الذي كتبه كل من إسرائيل فلينكشتاين و نيل آشر سيلبيرمان بعنوان "التوراة كما هي، الكشوفات الأثرية الجديدة" الصادر سنة 2002 عن دار بايار، الصفحة 150. لقد زينت الصهيونية الأسطورة بالتاريخ من أجل ضرورات القضية. إن هذا التاريخ المصنوع من الورق المقوى قد تم كنسه بواسطة البحث العلمي، وجغرافيا القداسة قد غرقت في الرمال المتحركة. لكن ذلك لا يهم. حيث يستمر الصهاينة، اعتماداً على بضعة أحجارٍ عتيقة، بادعاء ملكية أرضٍ انتزعوها سنة 1948 من أصحابها الشرعيين.
10 كانون الأول 2017
 
* Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة.أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.
 
المصدر:
https://www.facebook.com/notes/bruno-guigue/j%C3%A9rusalem-et-la-mystique-de-l%C3%A9lection/1261890683956384/
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم