لن يحصل ‘تغيير للنظام‘ في طهران: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

2018-01-05 21:35 PM ترجمات خاصّة
لن يحصل ‘تغيير للنظام‘ في طهران: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم
دون جدوى أكد دونالد أن "إيران فاشلة على كل الصعد"، وأن "الشعب الإيراني العظيم يتعرض للقمع منذ سنواتٍ عديدة"، وأنه "جائع للخبز وللحرية"، وأنه "حان وقت التغيير" وأنه سوف "يقدم الدعم للشعب الإيراني في الوقت المناسب"، لم يكن ما قام به ترامب سوى جهد بلا سدى. لم يكن لتلك التصريحات الطنانة أي تأثير على مجرى الأمور. أرادت واشنطن المسعورة ضد طهران أن تدعو لجلسة لمجلس الأمن. لكن الصين وروسيا بالمرصاد لأي شكل من أشكال التدخل. لن يكون هنالك من انتداب أممي ينسف دولة ذات سيادة تحت ذريعة "حقوق الإنسان"، ولا "منطقة حظرٍ للطيران"، ولا "حق للحماية". وعلى  مشعلي الحروب أن يتقبلوا على مضض الأمر التالي: لن يكون مصير إيران مثل مصير ليبيا، التي دمرها حلف الناتو.
لعبت واشنطن ورقة زعزعة الاستقرار الداخلي لأن العقاب النازل من السماء أمر غير سالك قطعياً. وللنجاح في ذلك، لجأ مخططوها الاستراتيجيون إلى نشر سلسلة كاملة من الإمكانات المتوفرة: سيل من الدعاية المعادية للحكومة والممولة من المخابرات الأميركية (الإذاعات التي تبث باللغة الفارسية بشكل خاص)، عملاء من كل الأصناف تمّ دسهم في المظاهرات الشعبية، دعم جميع صنوف المعارضة في الداخل والخارج. بسبب عجزه عن السير في عملية "تغيير النظام" من فوق، حاول البيت الأبيض تحقيق ذلك من تحت. ولأن "نظام الملالي" محصن ضد "القوة الخشنة" بفضل قوته العسكرية الذاتية (وتحالفاته) فقد تم استهدافه عن طريق "القوة الناعمة" التي صنعت في أميركا. أدار البيت الأبيض عجلات التضليل الإعلامي، لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر. وهذا أقل ما يمكننا قوله.
من أجل التخلص من نظامٍ لا يروق لهم، يحتاج "المحافظون الجدد" في واشنطن إلى مختلف صنوف الذخيرة. وقد بينت التجربة أنهم بحاجة لامتلاك ورقتين من الأوراق الرابحة الثلاثة التالية على الأقل: معارضة داخلية قويّة للخصم، جيش من العملاء، والقدرة على التدخل المباشر. وفي إيران لا يمتلكون أيّاً من هذه الأوراق بشكل واضح. فالمعارضة الداخلية موجودة لكنها معارضة للحكومة أكثر مما هي معارضة للنظام. حيث أن النظام السياسي يمنح هذه المعارضة حرية العمل عبر العملية الانتخابية. والجدل بين "المحافظين" و"الإصلاحيين" هو الناظم للخلاف، وهو يشجع على التعبير عن التناقضات الداخلية دون تعريض النظام الذي تمخضت عنه ثورة 1979 للخطر.
ولذلك لم تجتح الجماهير الشعبية الشوارع، ولم يؤد الاستياء الناتج عن أسباب اقتصادية إلى الطعن بالنظام السياسي. وإنه أمر ذو دلالة أن تلجأ الدعاية الغربية، مرة جديدة، إلى التلاعب الإعلامي المفضوح. حتى أننا شاهدنا المدير العام لمنظمة "هيومان رايتس ووتش- المنظمة الدولية لحقوق الإنسان"، كينيث روث، يقوم باستعمال صورة تعود لمتظاهرين مؤيدين للحكومة الإيرانية كمثال على "الثورة الشعبية" ضد النظام. بسبب اعتقادها أن تلك التجمعات من الساخطين تمثل المقدمة نحو تغيير النظام، فقد قامت واشنطن بإحلال رغباتها على أنها الواقع بشكل مزدوج: أولاً، بخلطها بين السخط والتخريب في المظاهرات المعادية للحكومة، ثانياً، برفضها أن ترى أن المظاهرات المؤيدة للحكومة لا تقلّ شأناً على أقل تقدير.
إن هذا الأمل في "تغيير النظام" هو سراب أدى بواشنطن أن لا تدرك أنها لا تمتلك الورقة الرابحة الثانية: جحافل المرتزقة الجاهزين للقيام بالعمل القذر. حيث أن الجيش الإيراني يراقب جيداً الحدود، أي أن عملية إعادة السيناريو السوري مستحيلة. في سوريا، تم استجلاب الميليشيات الوهابية بشكل هائل بالتواطؤ مع حلف الناتو، وتطلّب الأمر من الشعب السوري ست سنوات لكي يتخلص منها بشكل جدي. ولا يوجد أي مؤشر يسمح بالاعتقاد أن مثل ذلك الغزو ممكن في إيران. لقد تسلّل بعض الأفراد من الحدود لكن قدرتهم على التخريب محدودة. ومنذ هزيمة "داعش" وصلت الأممية التكفيرية إلى نهايتها المحتومة . والمربع الأخير للقاعدة انتهى إلى كونه محشوراً في إدلب. الجيش السوري يتقدم، ويستعيد ترابه الوطني، و لم يعد موضوع "تغيير النظام" في دمشق على جدول الأعمال.
للإطاحة "بنظام الملالي"، لا يمكن لواشنطن الاعتماد لا على المعارضة الداخلية، ولا على مرتزقة الخارج، ولا على التدخل العسكري المباشر. فالمعارضة الداخلية لا تتشارك بالأهداف، والمرتزقة الأجانب مصدر في طريقه للزوال، والتدخّل العسكري مصيره الفشل. لقد نجحت عملية "تغيير النظام" في ليبيا بفضل القصف الجوي. وفشلت في سوريا، بالرغم من جحافل المرتزقة. لكنها لا تملك أي نصيب بالنجاح في إيران. لقد عانى الشعب الإيراني من العقوبات التي فرضتها عليه دولة أجنبية تلقي عليه الآن المواعظ حول "حقوق الإنسان". إن توق بعض الشرائح الاجتماعية للتغيير هو أمر طبيعي، وكل شيء يتوقف على الرد الذي ستقوم به الحكومة على مطالبهم. لقد أدان الرئيس روحاني أعمال العنف. لكنه اعترف أيضاً بشرعية السخط الاجتماعي، وتم إلغاء بعض التدابير غير الشعبية، والشعب الإيراني غير مستعد أن يتقاتل فيما بينه من أجل إسعاد ساكن البيت الأبيض.
الوضع سيء للناس الأشد فقراً، لكن إيران ليست بلداً على حافة الإفلاس. فبالرغم من عقوبات واشنطن، عرفت البلاد نمواً ملحوظاً سنة 2016. ونسبة النمو في الاقتصاد بلغت 6.5%، ونسبة الدين العام ضئيلة (35% من الناتج الإجمالي). لكن معدل البطالة مرتفع (12.5%) وهي تضرب أوساط الشباب. شهدت البلاد أزمة نمو أجّجت التوترات الاجتماعية، وأبرزت المزايا التي تتمتع بها البرجوازية التجارية والتي عززتها الإصلاحات الليبيرالية التي قامت بها الحكومة. تصدّر إيران النفط، لكن ما ينقصها هو الرساميل الخارجية. متربصةً بأقل نقطة ضعف، كانت واشنطن تحلم بحركة واسعة، قادرة على هزّ أركان السلطة. من الواضح أن الفرصة قد ضاعت، وأن العدوان لم يصل إلى مبتغاه. لن تتوقف واشنطن عن المحاولة، لأن إيران في مرمى صنّاع الحروب منذ زمن طويل.
إن الصراع ضد طهران، الذي يشكل هاجساً لدى "المحافظين الجدد، يعود في الأصل إلى قيام الجمهورية الإسلامية (1979). كانت البداية في الهجوم العراقي الذي قدم له الغرب الأسلحة وقدمت له ممالك النفط التمويل واستمر ثماني سنوات (1980-1988). تواصل العدوان بواسطة التفجيرات التي قام بها الموساد والمخابرات الأميركية، والتي أصابت الإيرانيين بالإرهاب الذي تتهمهم به الدعاية الغربية. وكبر العدوان مع اختراع موضوع "الخطر النووي الإيراني" في بداية سنوات 2000. إنه أمر بديهي أن آخر ما يهم ترامب هو حقوق الإنسان وأن القضية النووية هي الخلفية الحقيقية للأزمة الحالية. لقد عادت الوحدة في واشنطن بشكل إعجازي ضد إيران. مع أن هذا البلد لم يقم بالاعتداء على جيرانه أبداً، لكن إمكانيته في الحصول على مظلة نووية تكسر الاحتكار "الإسرائيلي" في المنطقة هي أمر لا يمكن السماح به. لقد تم إجهاض عملية "تغيير النظام"، ولكن من الواضح أن ترامب سوف ينسف الاتفاق النووي الذي وقع سنة 2015.
 
5 كانون الثاني/ يناير 2018
 
* Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة.أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.
 
المصدر:
https://www.facebook.com/notes/bruno-guigue/pas-de-regime-change-%C3%A0-t%C3%A9h%C3%A9ran/1281398468672272/
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي