ترامب.. من التابوت العتيق إلى الرقص في الهيكل: حسن غانم غريب

2018-01-07 15:44 PM مقاومة
ترامب.. من التابوت العتيق إلى الرقص في الهيكل: حسن غانم غريب
استكمالًا لما بدأناه في مقالنا الأخير العبرية لغة رسمية للعالم فقد خرج ترامب وأعلن تمليك القدس عاصمةً أبديةً لبني "إسرائيل". 
 
أصبح "بنو إسرائيل" في كل العالم ملّاكًا للقدس العاصمة، وصارت العاصمة المملوكة مالكة لكل العالم الراهن. لأن قرار ترامب ملّكهم القدس للأبد، فالقدس رمز الملكية الكونية منذ بدء الخلق والتكوين- أي منذ الأزل، فمن يملكها يملك الأزل والأبد، ولهذا كان الصراع الأزلي بين جميع البنين وبين "بني إسرائيل" على ملكيتها، لأن مالكها سلاليًا هو مالك الكون باعتباره سلالة بحد ذاته ومربوط بفروع السلالة العامة.
 
وقرار ترامب بتمليك بني إسرائيل للقدس كسلالة كونية، يؤكد طابع الملكية منذ أزل الوجود ليستقيم الامتلاك للعالم وللبشر إلى الأبد ما دام الأبد. وبهذا التخصيص في القرار الترامبي، تتحول السيرة البشرية منذ وجود الإنسان إلى ملحمة إسرائيلية كونية بشرية وصلت إلى خاتمتها في امتلاك القدس وإعلان المملكة الكونية الإسرائيلية، والتي استوجبت منه نقل سفارته الجوالة إلى مقرها الدائم الأبدي في القدس، انطباقًا على تجوال بني إسرائيل عبر الزمن الماضي واستقرارهم في مملكتهم الأبدية، ليبدؤوا فتح ملف التاريخ الماضي على المشترك بينهم وبين الأغيار المجهولين من سلالات آدم- ربما- في الصراع الملحمي من أجل نقض وقائع التاريخ والحضارة والسياسات والمعرفة والمقاييس السابقة وبعثرتها  وتذريرها إلى مفردات عبثية اكتشافًا للقيم السلالية وإلحاقها في موقعها من بنية السلالة المختارة والمجسدة في هيكل الرب الإسرائيلي القابع فيه مشرفًا على مملكته التي يديرها بنوه من خلال إضرام المحارق البشرية والحيوانية القارضة والماحقة لبني الأغيار، أعداء بني إسرائيل وربهم الغيور (أنا ربّ غيور) الذي يكره البشر وآلهتهم ومعابدهم ويحلو له التمتع برائحة السرور (رائحة الشواء البشري والحيواني)، كما أكد ذلك آلاف المرات في ملحمة بني إسرائيل (تورا- تلمود). فإعلان ترامب "مدون" و"مكتوب" في سيرة بني إسرائيل (التورا- تلمودية)، وهو قرار طبق الأصل لذلك العهد العتيق بين رب بني إسرائيل وجنوده، حيث تم الاشتراط بينهما: يسلمهم الأرض ولبنها وعسلها (فلسطين في حينها)، إن سحقوا له الأمم وآلهتها ومعابدها، وأقاموا له هيكلًا في القدس، يشرف منه على عذابات البشر في المحارق مع الآلهة المدمرة، لأنه يتمتع برائحة الدخان والنار والآلام والدمار والخراب (رائحة السرور).
 
فقصة ترامب والسفارة وملك بني إسرائيل للقدس أبديًا هي ذات قصة العهد العتيق الذي فتحه ترامب على العالم حرفيًا، وها نحن بدورنا نفتح عليه أيضًا، باعتبارنا من بني الأغيار المعترضين، وسنكتفي بمقدمته الآن للدلالة على مفاتيح ترامب، على أن نورده بشكل مستقل في وقت لاحق مع بعض التفاصيل التي لا يتّسع المجال لها الآن.
 
العهد العتيق (الإسرائيلي) 
 
يتكون العهد العتيق من مقدمة، وعرض لمسار العهد، وخاتمة الانتصار.
 
1- المقدمة، صيغت بشكل تبريري لهذا العهد. سميت بالتكوين، حيث خلق الله- الذي كان روحًا ترف على محيط الماء- الأجرام السماوية والأرض والكائنات الحية، ثم خلق الإنسان وملّكه الأرض وما عليها، واشتغل الإنسان وتكاثر وبنى المدن والقرى وعمر الأرض وأنتج العسل واللبن وعبد آلهة غيره، فأصيب بالإحباط والانكسار واعتراه الغضب ونوبات الانتقام من هذا النسل الكافر به، لذلك أقدم على طرح مناقصة على جمهور البشر: يتعهد لمن يقاتل معه أجرًا مجزيًا بتمليكه أرض فلسطين ولبنها وعسلها مقابل تحطيم الأنسال الأخرى- الأغيار- وتدمير آلهتهم ودياناتهم ومعابدهم وعباداتهم وبشرهم وحيوانهم وشجرهم وحجرهم تمهيدًا لبناء هيكل له في القدس، متفردًا بحكم الكون والبشر ومتمتعًا برائحة الشواء البشري والحيواني في المحارق والإبادات التي يضرمها بنوه انتقامًا من الأغيار، وقد اتخذ في هذه المقدمة صيغة رب الجنود، والجنود هم بنو إسرائيل لاحقًا. إلا أن هذا المدخل لكتابة العهد قد تم خلال عرض سيرة رب الجنود بدون تحديد زمن محدد وقد تمّت كتابته في ثنايا السيرة.
 
2- عرض سيرة ربّ الجنود وجنوده بطريقة عكسية ملحقة بالسيرة المكتوبة في زمن لاحق لغضب الرب الأزلي على البشر توضح في سردها طريقة العهد وأزمانه الماضية من خلال أداء سلسلة النسل، (الجنود المتعاقدون) الذين أصبحوا فيما بعد بني إسرائيل ثم اليهود، في تمام بناء الهيكل (ولها قصة طويلة لا يمكن سردها الآن). وسنكتفي فقط بمقومات العرض وأسسه التي بني عليها العهد العتيق في تقسيمات أزمنته الأربعة التالية:
 
أ- زمن الغربة، حيث تقرر لهذا النسل- الشعب المعاهد- أن يقضي زمنًا في غربته في بلاد الكفرة الأغيار (وهو الوقت المعطى لتشكيل قوة مسلحة تنقضّ على الأغيار حين تسنح الظروف).
 
ب- زمن الخروج والانطلاق إلى أرض الميعاد بقيادة موسى العصر، قائد الجنود. في هذا الزمن يتلقّى موسى التعليمات والشريعة- التي تسمى بالتوراة- أثناء رحلة الخروج (هنا يتضح التلفيق، إذ تنزل التوراة- الشريعة- والعهد في عصور لاحقة لقرار الرب وزمن الغربة).
 
ج- زمن العبور إلى أرض الميعاد (فلسطين)، حيث يتوقف موسى ودروه على أعتاب الميعاد (مت كما مات أخوك هارون لأنكما خالفتما شريعتي)، ويتولى يوشع العصر الاقتحام ليتسمّوا عبرانيين (لعبورهم النهر) والبدء في طحن الأغيار من سكان الأرض والاستيلاء على ممتلكاتهم وإبادتهم في المحارق ثم تقاسم الأرض والأسلاب بين الأسباط، كما أمر الرب وبإشرافه.
 
د- بناء الهيكل، كمقرّ لربّ الجنود (لقد تعبت محمولًا في التابوت على الأكتاف ومتنقلًا بين الخيم، فابنِ لي يا داوود بيتًا أستقر فيه)، لأتمتع فيه برائحة السرور المنبعثة من محارق البشر والآلهة المنافسة لي. وقد آن لي أن أتربع على عرش الكون والبشر في القدس- أورشليم- مدينة السلام الأبدي.
 
هكذا صيغت القصة من آخرها، وكتب العهد من آخر السيرة، من بناء الهيكل الافتراضي ورجوعًا، من العبور والخروج والاغتراب وصولًا إلى سيناريو- الحوار والمناجاة الداخلية- الرب الافتراضي المحبط والمرتكس في قدراته التي ضيّعها مع الخلق الكفرة، ثم محاولته العودة إليها بطرح مناقصته الشهيرة على الجمهور. وفي رحلة الرجوع ثم العودة من الرجوع، تمت صياغة ما سمّي (تورا-تلمود) حيث تشكّل التوراة نصوص الإرشاد، والتلمود- أي التعليم- صيغة العهد الأبدي، الذي أودع في التابوت المغلق بشكل سري، لا يطّلع عليه أحد، لأن من يقترب منه يحترق، ما عدا الحكماء (الحاخامات) الذين يعلمون مفاتيحه وأوقات الشرح والتوضيح وأزمان الغربة والخروج بشكل سرّيّ أيضًا.
 
وبقي التابوت سريًا ومضامينه سرية أيضًا، يفتح ويغلق سريًا أيضاَ، لضرورة التفسير والتطبيق السري على مدى السيرة الافتراضية الإسرائيلية بعهدة سدنة التابوت- الحاخامات. يفسرون الأصل بالشرح، فيدخل الشرح في قوام النصّ، وهكذا في دارة مغلقة من النص التوراتي إلى الشرح التلمودي، حتى غدا التلمود متضمنًا النص والشرح والسيرة المغلقة لبني إسرائيل.
 
في الواقع، كان التلمود هو الأساس في خلق النص التوراتي، وظلّ التلمود يفسّر نفسه حتى الآن وقد ملأ عشرات الألوف من الصفحات تتجدّد يوميًا وتودع في حاوية الأسرار المسمّاة بتابوت العهد العتيق الذي كتب بالدم- دم الختان- كعلامة على النسل، إلا أنه كان عهدًا على الذبح والقتل إلى الأبد.
 
لقد كتبت هذه النصوص التلمودية في أزمان متسلسلة ومجهولة. ترك غموض فحواها وزمنها فضاءً للأكاديميين والبحاثة العظام ينقّبون في المجاهل ذهابًا وإيابًا بلا عودة، تاركين المخبولين والتائهين على ضلال مطلق، لكي تترسّخ الحيرة والذهول حول هذا السر الربّاني، العصيّ على الفهم، الذي يحمله بنو إسرائيل اليهود، بما يغيّب العقل والواقع والمقاييس والمعرفة والأخلاق والأمم والوجود. ويبقى عهد التابوت الدموي وأسراره الافتراضية حاضرًا وحده في الواقع السياسي والإيديولوجي واللاهوتي العالمي يتكرس يومًا بعد يوم، إلى أن بلغ العالم ما بلغ من الضياع والاغتراب والفناء في محارق الخراب والدمار والتهام البشر.
 
والقصة إيّاها قصة شعوذة وتهويمات سحرية ماكرة، تمّ تلفيقها على شكل مسرحية تدريبية يستخدمها الأتباع عندما يحين أوانهم في الخروج، ثم اصطياد عقول البسطاء وأهوائهم المزاجية المتأتّية من انكسارات الواقع والعجز الذاتي عن بلوغ المساواة، بالإضافة إلى نزعة الحسد والاشتهاء لكل ما هو ممنوع، والطمع في موجودات الآخر، وإذكاء الكراهية والبغضاء، وتهوين الخروج على المقاييس والأصول المعرفية والأخلاقية والاجتماعية واللاهوتية، وتصويرها عملًا مقدسًا لاهوتيًا، ابتدعه ربّ التمرّد ودخل في شرط مع هؤلاء المتمرّدين المحبطين لينتقموا له ولهم في غمار القتل والفتك والإجرام المقدّس. القصة في بنيتها السرية الخاصة تم تطويقها بمفهوم المنعزلات- الغيتوات- على أنهم جنود الرب الأصفياء الذين يمنع عليهم التلوث مع الأغيار- الأمم الكافرة. وأطلقت عليهم هذه المسرحية اسم اليهود-بني إسرائيل، أصحاب الديانة الخاصة (لا مجال لسرد سياق هذه المسرحية الآن).
 
تشكّل اليهود- بنو إسرائيل- على شكل هذه المسرحية التدريبية، وأصبحوا منعزلات سرية بين الأمم، لا يُعرف عنهم إلا أنهم يهود همل كما عرفنا في التراث، حتى عصر الرأسمالية الأوروبية التي انتهت إلى الاحتكار، وتصادمت فيما بينها على تقاسم العالم، وأصبحت في وضع يحتّم عليها تغيير بُنى المجتمعات والدول والحضارات وتاريخ الحضارة والمعرفة ومعطيات النظم والأوطان والدساتير وحقوق الإنسان لتحويلها إلى العماء والمجهول. وهنا حضرت المسرحية التدريبية المنقولة عبر غيتوات أوروبة (منعزلات اليهود). حيث عقدوا مؤتمر المنظمات اليهودية في بال، سويسرا 1897، والذي تحول إلى المنظمة الصهيونية العالمية، التي تولّت وضع دستور للرأسمالية الاحتكارية، تطبّق من خلاله تغيير وقائع الحاضر العالمي وماضيه، وتلغي مصالح الشعوب والأمم والحضارات مع اختراع منظمة تحكم العالم على مقاييس هذا "الدستور الصهيوني".
 
تحوّلت بلاد العالم، بموجب هذا الدستور، إلى بلاد غربة الشعب، وأصبحت المنظمة الصهيونية العالمية بموجبه موسى العصر، الذي سيتولى قيادة الخروج من تحت ظلم فراعنة العصر. وقد تم ذلك.
 
- صدر وعد بلفور 1917 وهو وعد الربّ بتسليم فلسطين على أساس التقسيم في سايكس- بيكو 1916. وترسّخ الوعد بقرار الانتداب 1920، وقسّمت المنطقة العربية بما يسهّل العودة إلى أرض الاباء والأجداد. وظهرت المستعمرات، وساعدت أوروبة في الهجرة، إلى أن تم إعلان "دولة إسرائيل" 1948. ثم بدأ التوسع والاستيلاء خلال البيان الثلاثي 1950 وعدوان 1956 على مصر، ثم عدوان 1967 والاستيلاء على سيناء والضفة الغربية والجولان، ثم مشروع تحويل نتائج حرب 1973 لصالح الخضوع للكيان (مصر- الأردن) من خلال اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، ومشاريع السلام والتسوية والتفاوض من جانب شعب الله المختار العربي (الرجعية العربية) إلى أن نضجت الأوضاع لقيام "الشرق الأوسط الكبير" أو الإمبراطورية الصهيونية على كامل التراب العربي كبداية للحرب الخلاّقة العظمى، حرب "الربيع" لإقامة عالم الإنسان الحر- عالم ذرية بني إسرائيل في مفهوم التابوت العتيق الذي فتحه ترامب وأعلن فيه مُلكية القدس كعاصمة للهيكل الإجرامي، ربّ الإجرام العالمي.
 
القدس عاصمة أبدية لبني إسرائيل على قول ترامب. وترامب زعيم أكبر دولة احتكارية متوحشة ويقود عواصم التوحش في المراكز الاحتكارية الأوروبية واليابانية وحدائقها الخلفية والمحميات والقواعد العسكرية المنتشرة في العالم، وزعيم الحرب الخلاقة الكونية وأبو الربيع الصهيو- أمريكي والثورة الداعشية العالمية الإسلامية النكاحية، وزعيم الثورة السورية العالمية، وأبو الكهاريز والأنفاق والمجارير في سورية، وأبو اتحادات الإفتاء بالقتل والذبح والحرق، وأبو مجلس الأمن والأمم المتحدة، وأبو جامعة الأعراب، وصاحب موائد اللحوم البشرية النيئة والمشوية، وأبو المفخخات والاغتيالات والسموم والمحارق، وأبو شرائع النكاح والسرقة والاغتصاب وسوق العبيد وسوق الأعضاء والتهجير وتدمير العمران والصحة والعلم والمدارس، وهو أبو القاعدة والنصرة والجهاد والفتوح الشامية وإسلام الشام وشام الإسلام، هو أبو بن لادن والظواهري وأبو بكر البغدادي والجولاني وأبو التنسيق الوطني القومي والسلفي والأكناف وأبو أكراد البورظاني وقسد وأبو السلاجقة والعثمانيين الأردوغانيين. هو أبو آل سعود والزايد والنهيان والثاني والخليفة والصباح و عبد ربه وأبو الشريفة في الأردن وأبو الشريفة في المغرب، هو أبو كورية الجنوبية وسلالات اليانكي في أمريكا اللاتينية وفي البلطيق والقرم وأوكرانيا.
 
بيده الزر الأكبر النووي، وهو قائد الجيش الأمريكي الأسطوري والأطلسي وزبانية الأتباع، ومالك الناتج العالمي المرموز له في سوق المال وصندوق النقد والبنك الدوليين، هو آمر الذبح والقتل والحرائق والدمار، ومع هذا فهو تابع لبني إسرائيل أصحاب الحقّ في التملّك الكونيّ وعاصمتهم القدس. من يتبع من؟ واشنطن تابعة للقدس أم العكس؟ أمريكا ترامب تابعة لبني إسرائيل أم العكس؟
 
على كل حال، هي شعوذة ساقطة لا أساس لها، لكنها وسيلة بمستوى الأتباع من قاذورات الإجرام والتي انتظمت في مؤسسات إجرامية ألغت الأمم والحقائق، وحلّت محل الشعوب والأمم، كمنظمة الماء الأسود (بلاك ووتر)، ومنظمة شريعة النكاح الداعشية، ومؤسسة الديمقراطية الحقوقية العلمانية الليبيرالية وتفرّعاتها التنسيقية المعروفة، دعاة الجرائم والاغتصاب والسرقة والإباحة.
 
إعلان ترامب إعلان عن محو العالم وليس القدس كعاصمة وتحويل الجرائم إلى عقيدة لاهوتية إلى أبد الآبدين. والمحزن أن ردة الفعل على إعلانه النهائي تنطلق من العقيدة ذاتها، كما بدا من عبّاس في رام الله وحماس وجامعة البعران وأمم الإسلام وأوروبة المسيحية والضوضاء التي تصر على أن لها شراكة في ملكية القدس. سنترك الردّ الصحيح إلى مقالات لاحقة تنقض هذه الشعوذة الإجرامية.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي