مهزلة ‘حل الدولتين‘: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

2017-12-29 16:08 PM ترجمات خاصّة
مهزلة ‘حل الدولتين‘: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم
منذ سنة 1993 يتم بيع "حل الدولتين" على رفوف البقاليات الغربية، وهو منتوج مغشوش، عملية نصب ذائعة الصيت. لقد قدم استسلام منظمة التحرير الفلسطينية للمحتلّ الفرصة التي لم يكن يأمل بها لتسريع عملية الاستيطان على طبق من فضّة. أدى إلقاء السلاح من جانب واحد إلى تقديم فلسطين لقمة سائغة للشهية الصهيونية. إن الكارثة السياسية، أي مسار أوسلو، قد أفضى إلى فساد النخبة الفلسطينية وألقى بحركة التحرر الوطني هذه، التي كانت فيما مضى فخرًا للعالم العربي، في أهوال الانقسام.
بالتواطؤ مع قيادات حركة فتح، انتشر الاستيطان الصهيوني في القدس والضفة الغربية، مما أدى إلى قتل الإمكانية الملموسة لقيام دولة فلسطينية في المهد. إذ كيف يمكن بناء دولة قابلة للحياة على شظايا مبعثرة من الأراضي الهزيلة؟ لقد تشققت فلسطين، كما تتشقق الصفائح المعدنية بفعل المكبس الضاغط، عن طريق حشوها بالمستوطنات التي زرعها الاحتلال، وتم شطبها عن الخارطة بفعل الغزو الصهيوني. حتى إن فلسطين التي تمخّض عنها اتفاق أوسلو ليست جنين دولة. إنها كذبة تتشبث بها سلطة فلسطينية تحتضر، سلطة فاقدة للصدقية.
كثيراً ما يتم ترديد مقولة "إنه خطأ المتطرفين من الطرفين". لكن متى كان الاستعمار يتصف بالاعتدال؟ وأين يوجد شعب تحت نير الاستعمار يعتمد على كرم أخلاق المستعمر للحصول على حقه؟ إنها حيلة بارعة بالمساواة بين المحتل وصاحب الأرض، كما لو أنهما يتشاركان في حمل أعباء المسؤولية. وهي تتيح للضمير الغربي أن يخرج من الورطة كالشعرة من العجين بالقول إن ذلك كله خطأ حماس ونتنياهو.
لكن واقع الصراع يتجاوز بعيداً هذين اللاعبين. إن الصهيونية ليست حركة قومية عادية، إنها مشروع استئصالي. والفكرة القائلة بإمكانية أن تتعايش دولتان على أرض فلسطين التاريخية لا معنى لها. والصهاينة، الاستعماريون الأقحاح، يعلمون ذلك جيداً. وقد أعلن رئيس الوزراء السابق اسحاق رابين، الذي يعتبر أيقونة "عملية السلام"، أمام الكنيست سنة 1995، أن المطروح ليس فقط عدم قيام دولة فلسطينية، بل حتى جنين دولة، لا اليوم ولا غداً.
بالطبع يمكن للبعض أن يفعل كالنعام وأن يحلم بصهيونية خيالية، لكن الصهيونية الموجودة واقعياً لديها القليل من الرغبة في تقاسم الأراضي مع شعب البلاد الأصلي المقاوم. إن ما تريده الصهيونية هو فلسطين كلها، "فلسطين يهودية مثلما هي إنكلترا إنكليزية"، بحسب تعبير حاييم وايزمن رئيس المنظمة الصهيونية العالمية مخاطباً القوى الغربية سنة 1919. إن سلب الأراضي، والتملك الاستعماري لفلسطين ليست حادثاً عرضياً للصهيونية، بل هي جوهرها ذاته.
يعلم الفلسطينيون ذلك أيضاً، ولم ينتظروا الفشل الذريع "لعملية السلام" المزعومة لكي يدركوا الأمر. في شهر أيلول/ سبتمبر 1993، ولدت "جبهة الرفض" كردّ فوري على اتفاقيات أوسلو. حيث اجتمعت عشر فصائل فلسطينية في مخيم اليرموك، في سوريا، وشكلت "تحالف القوى الفلسطينية". ضم التحالف منظمات مؤيدة لسوريا، إسلامية و ماركسية، ترفض عملية الخداع المسماة "عملية السلام" وتدين السياسة التي يتبعها التيار السائد في منظمة التحرير الفلسطينية. أعلن هذا التحالف أن ما يريده هو نهاية الصهيونية وقيام دولة واحدة في فلسطين.
تم التعتيم على هذا التحالف المعارض لأوسلو بشكل منهجي، وخاصة من قبل الجمعيات الغربية الداعمة لفلسطين، وهي عموماً منحازة إلى الاستراتيجية المتعاونة مع الاحتلال التي ينتهجها التيار السائد في حركة فتح.
مع ذلك فإن هذا التحالف للقوى المعارضة يعتبر أكثر تمثيلاً للرأي العام من القادة المستقبليين للسلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الانتخابات التي جرت في 25 كانون الثاني/ يناير سنة 2006 في الأراضي الفلسطينية، تجاوزت النتائج الانتخابية لحركة حماس (42.6%) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (4.1%)، وهما فصيلان معارضان بوضوح لاتفاقيات أوسلو، نتائج حركة فتح (39.6%). 
إذا أخذنا بعين الاعتبار المعارضة الحازمة للمنظمات المتواجدة في سوريا ولبنان، والتي لم يستطع مؤيدوها المشاركة في عملية الاقتراع، فإنه من الجلي أن الفلسطينيين بغالبيتهم كانوا معارضين لما يرون بكل وضوح أنه خدعة حقيقية. كما أن غياب الفلسطينيين المقيمين في الخارج لطخ شرعية هذا المسار الذي لا يجد منفعة فيه سوى قياديي منظمة التحرير الفلسطينية والبرجوازية الفلسطينية المقيمة في الأراضي الفلسطينية وحدهم فقط.
أما الشعب الفلسطيني، في المقابل، فإنه يرى أن اتفاقيات أوسلو لم تجلب له سوى الثمار المتعفنة. إن هذه الاتفاقيات غير الندّية قد أبرزت الانقسامات بين الأخوة في داخل حركة التحرر. وأعطت للمحتل الوسيلة للضغط المتواصل على الفلسطينيين الذين أضحوا أسرى للهيئات الدولية القذرة. بدلاً من أن تتيح لفلسطين أن تنبعث، أدّت اتفاقيات أوسلو إلى تخديرها. إن أفضل ما يمكن أن نتمناه للفلسطينيين، هو أن يضعوا حداً لهذه المهزلة، وأن يقطعوا كل العلاقات مع المحتل وأن يلتقطوا مشعل النضال من أجل دولة واحدة وديمقراطية في فلسطين.
 
29 كانون الأول/ ديسمبر 2017
 
* Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.
المصدر:
http://www.afrique-asie.fr/la-farce-de-la-solution-a-deux-etats/
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم