صباح سعيد: فوزية خليفي*

2018-01-23 21:54 PM أفكار
صباح سعيد: فوزية خليفي*
صباح سعيد، 
للمشمرين عن سواعد الجِد، يبدؤون يوما آخر.. ينقلون بيدقًا جديدًا إلى رقعة أخرى من اللوحة ذات الأربعة جدران، تطوّق معنى حياتهم؛ لن يتغيّر شيء، ما دامت البيادق تتحرك، سينتظرون أجرًا سقيمًا يشبه قطرات "السيروم" بالإبرة المغروسة بشرايينهم، منذ غادروا عبث الطفولة وبراءة الأحلام.
إن توقفوا عن التحرك، ماتوا..!
بعضهم يغالب قسوة الروتين والأيام المستنسخة بؤسا، بالغرق في متابعة الكرة، حتى إن كثيرًا منهم يصابون بأزمات قلبية تبعًا لنتائج مجموعة من "الفتيان" يطاردون كرة!! هي لعبة في النهاية، أليست لعبة؟!!
بل تجدهم يتعادون ويتخاصمون بسبب تشجيعهم لفريقين من بلاد أخرى ما وراء البحر، يتقابلان على ملعب ليس لهم "طابة" فيه ولا "شبكة"!
البعض الآخر، يحترف تغيير التسميات: فيسمي خضوعه لسيطرة زوجة- زوج متعسّف إخلاصًا.
ويسمي تخليه عن الأحلام والطموح: تعقّلاً.
والعزوف عن الشأن العام والوعي بالحال التي هو وغيره يسبح فيها: بابًا من "تخطي راسي"!
أو يكون مصري التفكير ويسد الباب اللي يجيه منو الريح، ليستريح..!
البقية منهم، تمارس ما قد يسمّى عيشًا بأعصاب مخدرة؛ بالأغاني القديمة الطويلة، تقتل بها الوقت، والمسلسلات المترجمة، تعيش مع أبطالها..
أي نوع من المخدر يصلح ليجعلها تنسى وتعيش؟ فقط تعيش!
صباح سعيد، لمن بات يفترش "الكرتون" على أرصفة المدن العربية "المتحضرة"، ويرى أن افتراشه كان ليصبح أكثر تميزا، لو تواجد في العواصم الغربية!! هناك يتصدق الناس بالأورو والدولار، على الأقل!
كرتون بارد لا يمكن أن يبعث فيه الدفء شيء، وتحت الرصيف بأمتار، ينام الذهب الأسود الذي بفضله برزت كروش كثيرة، والتصقت "مؤخرات" لا حصر لها بالكراسي، حتى صعب علينا تصورها من غيرها.
وباع المعممون منها الكثير، فشيّدوا قصورًا، في النهاية لن يناموا في أكثر من سرير واحد (مهما وسع) في أحدها، واقتنوا آلاف الأحذية التي لن يتمكنوا من انتعال أكثر من واحد منها في المرة الواحدة!
واشترى بفضله الانتهازيون الذمم والتاريخ، وهزئوا في مجالس الأنس بفيينا وغير فيينا من أمجاد العرب الذين كانوا!! يتعطر جو استهزائهم، ببخور عربي، وأنغام العود العربي ورقص "هزّ الوسط" العربي!
صباح سعيد، لأمة تشرذمت حين انزوى نخبتها في أركان غرفهم المؤثثة بالكتب، يغني كلٌّ ليلاه، وينشد التميز الفردي والمصلحة الشخصية.
النخبة يعني المثقفون، ويكفي الوعي بالحال لتكون مثقفًا، وقد لا تكون لك إصدارات على الرفوف، أو مقالات بالصحف أو صور تتفاخر بها مع المسؤولين عن الثقافة، لكنك قد تكون مثقفًا بامتياز، إن توجّع قلبك لواقعنا، وشعرت بدبيب غريب يدفع أناملك لإمساك القلم والكتابة، وأمل غريب (مقارنة بالجوّ السلبي العام) يدفعك لتتصور مجتمعًا أفضل، بقلمك وقلم غيرك.
لا يكفي أن نمرّ صباحًا، في طريقنا لأخذ قطرة سيروم أخرى، فننظر إلى المشردين، ثم نعتقد أننا أفضل حالاً منهم: نحن وهم سواء، كلنا بائسون.
كلنا متواطىء مع الصمت الذليل، كلنا موقوفون يومًا أمام محكمة التاريخ.
أما آن للأيدي الخيّرة أن تمتد لتمسك ببعضها، ولو في ظلام الخذلان ويأس الحال، فتتحد، وتقوى، وتشعل الهمم؟
ألا تستحق بلادنا جهدًا أكبر؟ (من المحيط إلى ما شاء الله لها أن تمتد!)
لمن نرمي قطعة النرد؟! لأجيال قادمة، نورّثها سياسة الهروب؟!
كنت أساعد تلميذة في كتابة بحث عن الشهيد مصطفى بن بو العيد، فوجدتني أندهش من تصميمه وعزمه ونجاحه ورفاقه في زلزلة واقع طاغٍ قاهر.
لماذا لم يتخاذل والرفاق؟! لماذا لم يتعللوا أمام التاريخ بضعفهم وقلة تعليمهم (بل وانعدامه لدى الكثيرين)، وسعوا خلف مصالحهم الشخصية؟!
من أين  لهم بتلك الجذوة في الأعماق التي أشعلت نار الثورة، وأحرقت من تسوّل له نفسه بالتعدي على ارضهم، أرضنا؟!
كيف آلت بنا الحال لهذا الخزي، حتى صرنا نترقب رئيسًا فرنسيًّا أو أميركيًّا، يعطف على العرب، وقد يفكر بتغيير أوضاعهم (ولن يفعل)!؟
في النهاية، أو البداية، صباح سعيد، للمناضلين من أجل القضايا التحررية الكبرى (والصغرى، أيضًا)، والسعادة في نظرهم لا تعني شيئًا غير الكرامة.
صباح جميل لي، ولذكرى المعلقة صورهم في أطر مذهّبة على الجدران، أوسمة للفخر وإيقاظ ما طال نومه من ضمائرنا..
 
* كاتبة وقاصّة من الجزائر

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم