حدث ذات شتاء: معن حوّاط

2017-02-01 14:28 PM تواصل
حدث ذات شتاء: معن حوّاط
حدث ذلك والشتاء يوشك أن ينقضي. 
بعض من بقع الثلج كانت لا تزال تتوزع هنا وهناك في الغابة القريبة حيث أقود سيارتي خلالها عائدا الى بيتي بُعيد الانتهاء من عملي كل يوم. 
الأشجار والدغلات الصغيرة لم تورق بعد، وإن اصبحت اطرى عوداً بعد انقضاء موسم الصقيع....
بعض الغزلان تتوارى خلف الشجيرات، تنظر بريبة اليك وانت تجتاز الطريق الضيقة، متحفزة للفرار. 
وحدها لم تهرب....
نظرت إليّ بعينين واسعتين وبشيء من التحدي، وأنا اقود سيارتي ببطء وحذر شديد... 
أوقفت سيارتي بتؤدة حتى لا أدفعها للفرار... 
تناولت بعض الخبز من المقعد الخلفي، فقد كنت قد قدمت للتوّ من مخزن الاغذية بعد ان اشتريت بعض المؤونة للبيت. 
فتحت نافذة السيارة ورميت الخبز بعيداً، وجلست أنتظر....
اقتربت الغزالة بحذر شديد حيث ألقيت الخبز... وقفت قليلاً، رفعت رأسها ونظرت إليّ، ويبدو انها اطمأنت فأخذت تاكل الخبز.
مساء، كعادتي قبل أن أنام، ألقيت نظرة على النت، وإذ بإحداهن أرسلت طلب صداقة لي، اطلعت على صفحتها ووافقت. 
في اليوم التالي، والأيام التي تلت، توطدت علاقتي مع غزالتي، فكنت أحضر لها شيئاً من الطعام كل مساء، كذلك توطدت صداقتي مع صديقتي الجديدة التي صارت تكلمني كل مساء. 
(أحيانا تكون الصدف أغرب من الخيال، حتى في تشابه الأسماء... أو هكذا كان يخيّل لي).
صارت غزالتي تأكل الخبز من يدي، وصارت صديقتي شيئا آخر، كلتاهما أغنتا حياتي وخلقتا فيّ فرحاً كنت افتقدته طويلاً مذ قدمت الى هذه البلاد....
كانت تلك تحدثني عن الصعوبات التي تعانيها، فالبلدة حيث تعيش تتعرض يوميا للقصف من عصابات الارهاب، والحياة لم تعد تطاق.
مرات كثيرة كانت تسألني متى ستأتي.. اريد ان أراك.. ماذا لو اخذتني معك الى حيث تعيش وراء وراء حدود هذا المكان وهذا الزمان؟ وكنت أعدها باني سآتي....
كانت تقول لي: أعدك، سأرتب لك بيتك، سأطبخ لك، سأغلي لك الشاي، وأوقظك في الصباح بقبلة وبفنجان قهوة، وسأرنو اليك بلهفة وانت تشربها. لن أحول عينيّ عنك، سأشبع منك قبل ان تذهب الى عملك وسأنتظرك بشوق الى ان تعود، وسأفتح لك الباب وأطوقك بلهفة العاشقين. وفي المساء سأجلس قربك وألقي برأسي على صدرك، أداعب شعرك... وتضمّني...
كان الكلام كثيرا كثيرا، وكانت الأحلام تزهر ربيعا، كنا نظنّه سيأتي...
حتى إنها كانت قد اختارت أسماء أطفالنا، وكثيرا ما كانت تسألني عن غزالتي فأروي لها ما يكون.
(لا أعتقد أن شيئاً في هذا الكون قادر أن يمنحك السعادة بقدر ما يمنحك إياها اثنان: حبيب وحلم).
فالربيع قد أطلّ، والاخضرار يعم الطبيعة والغابة. عندما كنت اقود سيارتي عائدا الى البيت، لاحظت سيارة شرطة وبعض الناس متجمعين حول شيء ما بجانب الطريق. أوقفت سيارتي... نزلت... كانت هناك غزالتي مستلقية، وقد فارقتها الحياة. احدهم صدمها بسيارته وفرّ هارباً.
أُصبت بصدمة قوية، حتى إنني خفت ان اتورط بحادث وانا اقود ودموعي تملأ عيني..
لم اصدق كيف وصلت الى البيت وفتحت النت لأخبر حبيبتي بما حصل...
كانت هناك بأعلى الشاشة صورة لصبية تبتسم، وفوقها كتبت بضع كلمات ترثي الفقيدة الصبية التي قتلتها قذائف الحقد التي انهمرت على البلدة في ذلك اليوم.
(عندما يموت الحلم تنتهي الحياة)
هكذا أفكر عندما أجلس لوحدي، بعد سنة ونيف من تلك الحادثة... والحلم الذي مات.
شيكاغو 30/ 1/ 2017
 

التعليقات

  1.  منى خليل
    #1 منى خليل 02 February, 2017, 01:25

    أحسست لصدق مشاعرك وحزنك وكأنني شاهدت يعينيَّ تلك الغزالة المسكينة أما لوعة قلبك لفقدان حبّ لم يحيا فكان لها الأثر الأكبر في نفسي .. هوعالم مجنون نعيش فيه يقتل كل جميل نسعى إليه أو يسعى إلينا. باقة ورد مني لفقيدَيْكَ.

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي