سلاح الجار: د. خليل قانصو

2017-03-14 19:36 PM مقالات ودراسات
سلاح الجار: د. خليل قانصو
أنا على يقين من أن رجل الدين في لبنان، أي رجل دين، لا يمثّل جميع أتباع الديانة التي ينتمي إليها ولا ينطق باسمهم في الشأن السياسي والمجتمعي، وأكاد أن أقول في موضوع الدين أيضا. بناء عليه يتوجّب على المراقب ذي الدربة بالحالة اللبنانية، والعربية استطرادًا، أن يأخد بعين الاعتبار هذا المعطى الثابت والمؤكد. فلا يزال الكثيرون في بلاد العرب مشركين، يتعبدون لآلهة من تمر يأكلونها أو يجففونها بحسب الظروف والمصالح. 
يحسن القول أيضًا في هذا السياق أن سيل التصريحات والفتاوى التي تصدر في لبنان عن رجال الدين يولد انطباعا خاطئا بأن اللبنانيين. فوّضوا أمرهم للأخيرين، فأغلبيتهم لا يتكلمون في السياسية لأنهم، عملياً ممنوعون من التعبير وإبداء آرائهم بالضدّ مما يخيّل الى العابرين. بمعنى أنه لا يؤخذ بكلامهم وآرائهم، فهم مكبلون  لا يتحركون الا بترخيص! 
يعلم القاصي والداني أن في لبنان جماعات وميليشيات تقتني السلاح، وهي تنتمي إلى جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والعائلات. ومن المعروف أيضًا أن عدد هذه الجماعات والميليشيات يفوق بكثير عدد الكيانات التي تمثلها أو تدافع عنها. بمعنى آخر إن القول أن انتشار السلاح في لبنان ليس عادلاً، وكذلك الزعم أنه يوجد ساكن أعزل إلى جانب جار مدجج بالسلاح فيه شيء من التبسيط والتغليف. سواء كان اللبناني يناصر المقاومة الإسلامية في لبنان، أو كان ضدها، فإن قصة حزب الله وجيرانه تبدأ، للأمانة العلمية، في حزيران 1982، عندما قرر المستعمرون "الاسرائيليون" غزولبنان، مدشنين بذلك سياسة استعمارية غربية جديدة ظهرت في السنوات الست الأخيرة بزينة "ربيعية " و باسم حركي "الثورة من أجل الديمقراطية". ليس صحيحًا أن المستعمرين احتلوا لبنان في سنة 1982 من أجل تصفية الفصائل الفلسطينية المسلحة، وإنما كانت غايتهم  خلق وضع في لبنان يشبه نظيره في العراق، الذي نتج عن الغزوالأميركي لهذه البلاد الأخيرة في سنة 2003. بكلام آخر حاولوا الدخول إلى سوريا من لبنان، وعندما تعذّر ذلك  دخلوا من العراق ومن تركيا ومن الأردن، بمعاونة كثيرين من السوريين ومن اللبنانيين طبعًا.
أكتفي بهذا الاستطراد لأني لست بصدد البحث عن خفايا الثورات العربية التي كالعادة، تبدأ تقدمية تحررية في ميدان التحرير ثم يؤمها في نهاية المطاف رجل الدين المتصالح مع المستعمرين، فما أودّ قوله هو أنه ليس لدى حزب الله سلاح أكثر مما في حوزة جاره أو مما يستطيع هذا الأخير الحصول عليه بحرًا إذا دقّت ساعة الصفر. هذا كلام لا جدال حوله في بلد مثل لبنان جرت فيه حروب متتالية منذ نيسان 1975 وانتشرت على طول سواحله الموانئ غير الشرعيةً.
بكلام صريح وواضح، لا أظن أن الذين يبررون مطالبتهم بنزع سلاح الجار حزب الله  في لبنان بالحرص على الأمن المجتمعي الداخلي. وعلى الدولة ومؤسساتها الدستورية، لأنهم عزل، وأنهم يقصدون السلاح الموجود في جميع أنحاء لبنان، وفي أيدي اللبنانيين، بصرف النظر عن انتمائهم  الديني. فعلى الأرجح إنهم  يريدون  تجريد المقاومة من سلاح مختلف عن سلاح الجار، حزب الله، علمًا أنه لا حاجة له ولا نفع في المدن والأزقّة. 
مجمل القول، إن المشكلة ليست سلاح الجار حزب الله، وإنما تتمثل بسلاح المقاومة. وهنا تقتضي الأمانة الفكرية الاعتراف بأن هذه المشكلة ليست لبنانية - لبنانية وحسب، وإنما هي أيضًا لبنانية – "إسرائيلية"، بالإضافة الى انها من وجهة  نظري سورية – "إسرائيليةَ" وايرانية – "إسرائيلية". وعندما تكون "إسرائيل" طرفًا تكون أيضًا الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية المتعاونة معها شركاء.
ينبني عليه أن المنطق يفرض على الباحث أو على رجل الدين الذي تهمّه مصلحة العباد في الحاضر والمستقبل، أن يتناول، إن هو أراد ذلكَ، مسألة سلاح المقاومة  من الجوانب كافّة، على أساس أن المستعمرين "الاسرائيليين" ليسوا جيرانًا، فهم يحتلون الأرض ويتحيّنون الفرص الملائمة من أجل إتمام مشروعهم التوسعي الاستيطاني .
هنا ينهض السؤال عن الأسباب التي تجعل زعيمًا أو رجل دين في لبنان. ينضمّ الى جوقة المطالبين بنزع سلاح المقاومة، رغم أن في هذه الجوقة يوجد "الاسرائيلي" والأميركي؟ أعتقد أن الإجابةْ على هذا السؤال  تقودنا الى جذور القضية. فلقد كان بديهيًّا أن حركة التحرير الفلسطينية  كانت عاجزة  عن خوض حرب تحرير وطنية ضد المستعمر "الاسرائيلي"، ولكن كان طبيعيًّا في المقابل أن تشارك في هذه الحرب التحريرية الحركات الوطنية في البلدان العربية المجاورة، كون المستعمر "الاسرائيلي". يمثّل خطرًا يتهدد هذه البلدان مباشرة. أظنّ ان الأحداث التي تجري منذ إعلان دولة "إسرائيل" والى اليوم تكفلت بإظهار حقيقة هذا الخطر. هنا لا بد من الاعتراف بأن التلاحم بين الحركة الوطنية في البلدان العربية من جهة وبين منظمة التحرير الفلسطينية لم يحصل. وهذا مردّه إلى أن ضعف الطرفين ومن المحتمل أن يكون ذلك نتيجة عوامل عديدة منها تدنّي مستوى الوعي، وهذا يفتح المجال أمام انتقال الأوبئة عادة إلى جسم الحزب أو الحركة السياسية، فينخره الفساد والملذّات!  من المعروف أن حركة التحرير الفلسطينية ارتبطت بعلاقات وثيقة بالدول الخليجية بوجه خاص، وبنظم الحكم العربية التي كانت تخاف الحركات الوطنية، فوقعت منظمة التحرير الفلسطينية في مستنقع الصراعات الطائفية في لبنان وغرقت فيها! 
لا أعتقد أنني أجازف في الكلام عندما أقول إن إيقاد الصراعات المذهبية والطائفية والعرقية شكّل عاملاً رئيسيًّا في فتح أبواب العراق أمام الغزاة الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين ومموّليهم الخليجيين. ولنكن صريحين، إن التمرد السوري ضد الدولة الوطنية السورية هو في لبّه تمرّد طائفي مذهبي، وإن الدعم الذي يتلقاه هؤلاء المتمردون يتم تحت العباءة المذهبية: الإخوان المسلمون، الوهابيون في تنظيم "داعش" وفي تنظيم "جبهة النصرة"، هم الأعداء. المباشرون للدولة السورية، وهم كما في العراق، الذين كسروا مغاليق سوريا وسمحوا بدخول القوات التركية والأميركية والمرتزقة. 
 
ينجم عنه أن أخشى ما يخشى الآن هو أن يتحرك الأخطبوط الطائفي والمذهبي من جديد في لبنان، وأن يحاول الالتفاف حول عنق المقاومة، بحجّة أن الجيران في لبنان  يمتلكون صواريخ يهددون بواسطتها مواقع حيوية في "إسرائيل".
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي