كنزتُكِ الرماديّةُ السحيقة: محمد سعيد حمادة

2017-03-27 03:09 AM جسد
كنزتُكِ الرماديّةُ السحيقة: محمد سعيد حمادة

كلّهنّ يلبسن الرماديّ إلاّ أنتِ، تزدهين برماديّ آخر؛ ليس مستعارًا أو خائفًا سلبيًّا لصًّا سطى على الأحمر مرةً والأزرق مرّة والأصفر أخرى؛ ولا هو قادم من اللاشيء الأسود الكئيب الحزين المخادع الموهم أنه "بانادول" الحزن الذي يوازي بين اعتلال الداخل واحتراقه في الفقد وبين عدم الخارج وخَرَسه التامّ، لأنّ حقيقته وجوهره العمى، لأنّه تلوّث وسموم ومعامل نفايات للمشاعر الزائفة؛ ولا هو من سلالة الأبيض اللاشيء أيضًا، لأنّ الأبيض الحقيقيّ هو أبيض ياسمينك الذي لا يعير بياضه للمِلل السلبية والجبناء المخادعين، ولا يتماهى إلا مع وجهِكِ وفيه، فينعجن بابتسامك فريدًا لا شريك له في اللون والطعم والكون.. الأبيض الأبيض هو الكفن العدميّ اللاشيء، ولهذا ترينه متآمرًا مع الأسود في تسويق نفسيهما، كشايلوكين مبتزّين وضيعين، ولا يظهران إلا في نكبات الآخرين، يعلن الأبيض الاستسلام ويُشهر الهزيمة ويكفّن الموتى، ويعطي البقيّة للأسود كي يتمّ مراسم الحداد.

ليس منها كلّها رماديُّك، يعني أنه ليس بندوقًا كرماديّ الأخريات، لا جذوة فيه ولا حياة، فمرةً يكون رماديهنّ كثافة للأحمر ومرّةً كثافة للأزرق ومرّةً كثافة للأصفر، وفي مرّات ومرّات يتدرّج إلى الأبيض فخّ العدم المخادع، أو إلى الأسود أعمى البصر والبصيرة.

رماديُّكِ مختلفٌ.. أقصد رماديّ كنزتك الرمادية التي تستعير بهاء لونها من الأفق البعيد، من غاباتٍ حدّ النظر، من نهايات البحر المتلاشية في الزوارق والشمس، من حكمة وجودك الرصين، من عمق شغفي بك كحكاية قادمة من بحّة الجّدّات ورائحة ثيابهنّ المغرقة في البراري والجرود، من خرافة أنني أتخلّى عنكِ ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، من بازلت قلبي القابض على جمر حبّك العصيّ على أفهام الفاهمين، من تلالٍ قال العالِمُ إنها الأسطورة، فبحث ونكش ووجد الدليل فضّةً مشغولةً بأرواح الخائفين خلاخلَ للآلهات حارسات الوجود بسماواته ومطره ورعده وبرقه وعواصفه وقمحه وخصبه وأجياله التي مرّت والتي لم تولد بعد.

كنزتُك الرماديّةُ، فضّةُ بلادي السحيقة المتجدّدة، عقودًا وأساور وخلاخيل وكؤوسًا ووجوه آلهة ونياشين محاربين وأوسمة عازفين. هي العمق الذي يظهر في عينيك المحيّرتين، المَلَاحةُ الأبديةُ على وجهكِ، المخبَأُ الذي تسترين به الذهب عن العيون. ولهذا رآها الكلُّ رماديّة ورأيتها فضّةً ثمينةً تتماهى في ثمين الذهب، يا رشأ الروح اللاهي في براريها التي ينهض خلف كلّ قفزة من قفزاته عشبٌ أبديّ ثمين.

"أذاب التبرَ في صافي اللجينِ

رشًا بالراحِ مخضوب اليدينِ".

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم