فيلم ‘آلام المسيح‘ لميل جيبسون.. المسيح لاجئ فلسطيني ومظلوم سوري: د. اليان مسعد

2017-04-11 12:28 PM وميض
فيلم ‘آلام المسيح‘ لميل جيبسون.. المسيح لاجئ فلسطيني ومظلوم سوري: د. اليان مسعد
 لعل صوت الممثلين الناطق بالآرامية في فيلم آلام المسيح للمخرج والممثل الاميريكي الأسترالي الأصل ميل جيبسون، رغم اعتماده للهجة الآرامية المعروفة (بالسودويو) المنتشرة في طور عابدين جنوب شرق تركيا وشمال العراق بمناطق نينوى والموصل وزاحو ومناطق الحسكة والقامشلي شمال سوريا، لم تكن هي اللهجة المعروفة بالسورية الجنوبية أو الآرامية الغربية الفلسطينية. لغة الجليل التي نطق بها السيد المسيح ولا تزال مستعملة رغم ما دخلها من كلمات عربية في القلمون الأعلى ببلدات معلولا وجبعدين وبخعا وتشابه لهجة الصابنة المندانيين بجنوب العراق، وذلك لعدم استطاعة المخرج الحصول على أشخاص لهم معرفة بهذه اللهجة وتوفر عراقيين بالولايات المتحدة يعرفون اللهجة الآرامية الشرقية المعروفة بالسوادية، فإن جهده يبقى رغم ذلك تعبيرًا عن أمانة تاريخية. فلا يزال هناك حوالى 48 موضعًا بالأناجيل الأربعة تحوي كلمات آرامية لم تتم ترجمتها الى أي لغة، واحتفظ بها بلهجتها الآرامية الفلسطينية الأصلية كما لفظت منذ ألفي عام. وينسجم كل ذلك مع توجهات الأكاديميين الذين يصرون حاليًا على إعادة دراسة الكتب الدينية بلغتها الأصلية لما يعرفونه عن الآثار السلبية للترجمات القديمة من الآرامية إلى اليونانية واللاتينية، والتي قد تكون قد غيرت أحيانًا معنى النص الأصلي، كما أن صوت فيروز الذي يسري بطيات الفيلم، من خلال بعض التراتيل الدينية بالعربية وموسيقاه وإيقاعه المتمازج بين الألحان الشرقية السريانية والبيزنطية والعربية أضاف نوعًا من تأصيل الأصول على الفيلم، فمن المعروف أن العربية هي الابنة البكر للغة الآرامية. 
 
ورغم الهجوم العنيف الذي شنته المحافل الصهيونية على الفيلم، والذي ظهرت بعض نوادر التعاطف معها من قبل أصوات إعلامية عربية نافذة بين الشرائح الواسعة من المشاهدين والقراء العرب، فإن الفيلم ومخرجه ميل جيبسون، الملتزم بالكثير من القضايا الإيمانية والإنسانية وموضوع حرية الشعوب، وأذكر على سبيل المثال فيلمه الشهير قصة قلب شجاع الذي أرّخ وخلد به كفاح الشعب الأسكوتلندي ضد المستعمر الانكليزي منذ سبعمائة عام أقول إن الفيلم ومخرجه قد أحييا أسئلة متجددة حول الشخصية الأكثر شهرة بالتاريخ المسيح والساعات الأخيرة من حياته وقصة تعذيبه وصلبه بعد القبض عليه، ولعل القسوة البالغة لموته التي أصر المخرج على تحقيقها بالفيلم، عبر التزامه أمانة النص الإنجيلي التاريخي، كانت محاولة لإحياء تلك الأسئلة حول المسؤولين عن تلك الوحشية، وتبقى بالنهاية أصوات اليهود وهم يصرخون بالوالي الروماني بيلاطس البنطي "اصلبه اصلبه دمه علينا وعلى أولادنا"، وإحياء للسؤال عن نسبة المسؤولية بالحدث بين اليهود والسلطة الرومانية، ومن كان منهم الأداة، ومن كان صاحب القرار الحقيقي عبر الصخب والعدوانية والشراسة والغوغانية.
كما يطيح الفيلم بكل أهمية أحد مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد بروما بين 1962-1965 والذي برأ اليهود المعاصرين من تهمة قتل المسيح، على اعتبار اليهود الحاليين ليسوا بالضرورة أحفاد مباشرين لمن ساهموا بصنع قرار صلب المسيح. ومن جهة أخرى أنهم غير مسؤولين عما فعله الآخرون الذين ينتمون لنفس الدين قبل ألفي عام.
إن ميل جيبسون قد تجاوز تماما مفاعيل قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني ليقول إن ما حصل قد حصل ولا نستطيع طي فصل من التاريخ بقرار، إن طي الصفحة من التاريخ التي جعلت اليهودي المعذب من النازية بالمحرقة والتي كرستها الدعاية الصهيونية (كصليب القرن العشرين) وكرست اليهودي وكأنه المسيح الذي صلب بالحرب العالمية الثانية والتي تم الاستفادة من تلك الصورة لتبرير احتلال فلسطين واقتلاع السكان الأصليين منها، فإن ميل جيبسون يصرخ، بلا لبس وبشكل مباشر وعبر مسيحه الناطق بالآرامية، أن المسيح المصلوب بالقرن العشرين والواحد والعشرين هو الفلسطيني، نعم المسيح لاجئ فلسطيني، وهذا يوحي إذا تمت قراءة الفيلم قراءة صحيحة مع تنامي شعور المواطن الأوروبي والأمريكي بأن "دولة إسرائيل" والتي قامت على اغتصاب أرض شعب هي المسؤولة عن انعدام الأمن العالمي وهي القابلة التي استولدت الإرهاب.
ولعل استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخرًا تشير إلى انعطاف صامت يفجر السدود التي رفعتها الدعاية الصهيونية لتحول دون وصول الأوروبي والأمريكي إلى الحقيقة وتضلل قطاعًا واسعًا منه، وهذا ما حاكه ميل جيبسون في فيلمه ولو بشكل غير مباشر، كما أن هذا الفيلم عن آلام المسيح سيعيد الاعتبار لديانة تقدمية تحجب ما تم تسويقه من أفكار عائدة لقوى تستغل الدين لتغطية جرائمها واستغلالها وخدمة مصالحها، وذلك عبر عدم قبول المخرج لأية مساومات أو حياد مزعوم في نزاع ظاهره ثقافي تاريخي لغوي وباطنه سياسي حقوقي واقتصادي، وبذلك قد يكون الفيلم رفع مدماكًا في صرح تخليص العقل المسيحي الأوروبي والأمريكي من عقد الذنب، لما ارتكبته أنظمته بحق اليهود تاريخيًا وخلال الحرب العالمية الثانية، تلك العقد التي بررت فكرة الوطن اليهودي وشعب الله المختار، فتجريد قصة الصلب من رمزيتها التي استغلت صهيونيًا بجعل اليهود صنمًا لا يمكن المساس بصورته أبدًا، وبقرة مقدسة وبراءة الذمة وشهادة اللاحكم عليه وحسن سلوك، قد زالت كلها، وعليهم تقديم الحساب للآخرين جميعهم تمامًا عما تعمله بنادقهم وجرافاتهم ودباباتهم وآلاتهم الإعلامية والثقافية وذلك عبر النضال المعقد لمخرج الفيلم مع الدوائر الثقافية الصهيونية والمراحل التي قطعها حتى استطاع إيصال فيلمه إلى شاشات صالات العرض.
كما أن هذا الفيلم من الناحية اللاهوتية المسيحية سيروج لنقاشات بناءة حول أصول المسيح ولغته وثقافته وجذوره وللمسيحية كدين وانتمائها وانحيازها للبشر، فلا يمكن لها أن تقف متفرجة في كل نزاع على الحياد، بل مطلوب منها موقف أمين لا بد أن تؤديه من أجل إحقاق العدل والحق، وعبر العبارة التي قالها "إن العالم لا يحمل علينا كوننا مسيحيين بل كوننا لسنا مسيحيين كفاية".
لقد أنهى ميل جيبسون بفيلمه بعض التواطؤ بين السياسة والدين والذي تم عبر استغلال المقدس من السياسة والساسة وببعض التنازلات الثقافية والدينية لبعض الجهات الصهيونية النافذة لقاء الاكتفاء بسكوتها عن الكنيسة، فالنصوص المقدسة يجب دراستها بلغتها الأصلية الآرامية لفهم روحها دون تراجع أو تنازل أو خضوع للابتزاز. وظهر المسيح في الفيلم آراميًا فلسطينيًا مولودًا بالناصرة يدين بالموسوية، وعلى كل مسيحي أن يكون مواطنا من الناصرة، وأن الدم ليس الأساس للانتماء وإنما الثقافة والحضارة.
ولعل خير ما أختم به شهادتي على هذا الفيلم ومخرجه هو الآية الكريمة (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم...) طبعًا لم يستطيعوا قتل روحه وتبقى سورة الزخرف التي يدعى بها المسيح علما وعلما للساعة كجزء من مقتضيات الإيمان الإسلامي وتبقى زخارف المسجد الأقصى التي تدعم صفات المسيح غير العادية، المسيح ابن مريم، تلك الزخارف والآيات التي تزيل عنه وعن والدته مريم كل تهمة باطلة نطق بها التلمود اليهودي، تلك الزخارف التي تنتظر عودة المسيح للقدس حين يصبح قبلة الإسلام الأخيرة في زمن قدوم الساعة كما كانت قبلة الرسول والصحابة في المدينة المنورة، فالإسلام بدأ غريبًا في مكة ثم المدينة وسيبقى كذلك حتى عودة عيسى، وفي كل عصر يجب أن يغترب الإنسان أو يهاجر أو يخرج من عصره إلى الحرية وإلى الله، إلى الأمام وهذا هو المعنى التاريخي والثقافي والاجتماعي والروحي لهجرة الرسول من مكة إلى المدينة، وخروج العبرانيين إلى سيناء. ولعل أخطر ما تسقط به الديانات هو بتر المحتوى والفحوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي عن الدين وتحويله إلى شعارات وطقوس بدل أن يكون خروجًا للحرية وممارسة وفعلًا، فالديانات التوحيدية لا يمكن فهمها دون فهم مغامرة الخروج أو الهجرة أو التغرب بمعانيها الروحية والأخلاقية للوصول للتحرر والله الذي يتجلى بالتاريخ وبالبشرية إلى الأمام. وما خطاب التطويبات الذي أظهره المخرج في الفيلم "طوبى للفقراء... طوبى للودعاء... طوبى لفاعلي السلام... طوبى للعطاش للبر..." وما ترجمته الواقعية إلا احترام للثقافات الأخرى والفقراء وأصحاب الاحتياجات الخاصة والمتعطشين للعدل وصانعي السلام، للمضطهدين والرحماء، وإشارة قوية ومطالبة لا لبس فيها لأصحاب الإرادات الدولية لكمية الظلم في هذا العالم أحادي النظرة، وذلك عبر عرضه لتلك الشخصية التاريخية كفدائي مات عن الآخرين، فهذا المخرج الملتزم بقضايا الإنسان الذي انطلق من وجدانه الإنساني ليحقق فيلماً يثمن المحتوى الروحي للإنسان وبلغته الأصلية وبالأرض ومحتواها الثقافي الأصلي عبر نزع هالة القداسة عن سيد إحدى الديانات لينزله بين البشر، يموت من أجلهم، يتكلم الآرامية لغتهم، عبر تشكيل ذهني لأكثر الفصول درامية بالأناجيل الأربعة للأيام الأخيرة لهذه الشخصية، أقول هذا المخرج جدير بالاحترام وحبذا لو أنه يدعى لسوريا وطنه الثاني، يتعرف من خلالها على اللغة الآرامية التي لا يزال ينطق بها سوريون تماما، قبل ان يجهزوا عليهم وعلى سوريا، كما كان مسيحه ينطق بها منذ ألفي عام، ويرى مجتمعات الغربة والانتظار لمسيح العصر في مخيمات اللجوء، ويستمع لتجويد سورة الزخرف مع محبي تلك الشخصية التي آمن بها مثلهم تمامًا مع الاحتفاظ بخصوصية الاختلاف الثقافي. 
شكرًا ميل جيبسون على فيلمك آلام المسيح وشكرًا لهذه الانتفاضة الثقافية ضد الظلم نحن بانتظارك أيها الآرامي من الناصرة بامتياز.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي