بصراحة: اجتماع موسكو وصنّاع تفاصيله المنتصرون: يوسف غانم

2016-12-20 17:17 PM مقالات ودراسات
بصراحة: اجتماع موسكو وصنّاع تفاصيله المنتصرون: يوسف غانم
 
ادار السفيرالروسي كارلوف ظهره مطمئنا ان العلاقة الطيبة بين بلاده وتركيا قادرة على حمايته، ولكن عنصر الحماية التركي افرغ مسدسه في ظهره.
حكاية اغتيال السفير التركي تشبه إلى حد بعيد حكاية الدولة السورية، مع فارق ان السفير الروسي فارق الحياة بعد اصابته البليغة، فيما نجت الدولة السورية من الاغتيال بجراح بالغة لم تمنعها من الوقوف في وجه بقية القتلة.
اغتيال كارلوف ليس مسألة عابرة بل هي نتاج التحريض الاردوغاني لخمس سنوات، كما انها نتاج عمل استخباري متقن، لم يترك شيئا للصدفة بعد تصفية القاتل!
كما ان الاغتيال جاء في سياق متفق مع ما ذهب إليه عدة مسؤولين في الغرب بأن هزيمة الإرهاب في حلب ستؤدي إلى اتباعهم طرق أخرى في الانتقام، لربما تفجير الميدان في سورية واغتيال السفير الروسي في أنقرة هي بعض هذه الطرق التي تم الحديث عنها. 
اسعد الزعبي وبقية شركائه يدعون إلى تنفيذ عمليات، فيما يدعونه قلاع النظام، فهل نحن امام بدء مرحلة جديدة من الإرهاب تفجيرا واغتيالا (:إسرائيل" ترغب بمثل هذه الاجواء_لبنان نموذجا)
دماء السفير الروسي التي امتزجت مع الدماء السورية لم تؤجّل الاجتماع المقرر في موسكو بين وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا بشأن الحل السياسي في سوريا. 
الاجتماع الذي تم ترتيبه على توقيت حلب وانكسار المجموعات المسلحة فيها، أعطى مؤشرات على شكل جديد للتفاوض يضم الدول الثلاث الأكثر تأثيرا في سورية (قبل فترة وجيزة عندما أطلق اردوغان تصريحه بشأن عملية درع الفرات رد عليه الروس بأن ذلك خارج اتفاقنا).
الشكل الجديد للطاولة انطلق من الوقائع الجديدة والظروف المستحدثة. 
الانتصار في حلب أنهى إلى غير رجعة استبعاد إيران عن الطاولة، بل ثبت شراكتها الكاملة، 
كما انهى سيناريو التقسيم وأسكت آخر الأصوات المطالبة برحيل الاسد. والأهم أنه فتح باب التفاوض السياسي (السعودية صارت تؤمن بالحل السياسي في سورية!)
المهم في هذا الاجتماع أنه سيضم في الجولة الثانية منه وزراء الدفاع في الدول الثلاث لتحويل الاتفاق إلى خرائط على الارض. ولكن ثمة سؤالا مهما لا بد من طرحه، هل ستسمح القوى المتضررة من الاتفاق بوصوله إلى نتائج مثمرة لم تعمل على اجهاضه؟
 
 
هل الاجتماع جرى بالتوافق مع الأمريكان أم ان نتائجه تستلزم وصول ترامب إلى البيت الأبيض؟
هل نضجت الظروف في سورية لعقد تسوية أو مؤتمر وطني ينهي الأزمة؟
وهل نضجت الظروف الإقليمية والدولية لهذه التسوية؟
ان الإجابة على هذه التساؤلات ليست يسيرة ولا يقينية بل تستلزم الإحاطة بمحددات كثيرة وقراءة متأنية لواقع سوري وواقع الإقليم والظروف الدولية الجديدة.
الواقع السوري مازال شديد التعقيد، ولكن الوضع الجديد في حلب خلق وقائع جديدة مكّنت السلطة من تعزيز مواقعها من جهة وقدرتها من جهة ثانية، كما انها منعت عقارب الساعة من العودة إلى الوراء، كما انها حمت الدولة من مشروع التقسيم الكبير.
المعارضة التي انكسرت في حلب بدأت تعيد حساباتها، ولربما جعلتها تتخلص من اوهامها في مسألة إسقاط النظام، ولربما اوهام رعاتها،.. نصائح كيري الأخيرة المعارضة في باريس سكبت الماء البارد على الرؤوس الحامية.
السعودية المشغولة باليمن سمعت النصيحة أيضا وتنتظر توجهات ترامب لتضبط بوصلتها ربما. وضعها غير المريح، خسارتها، استنزافها، والجو العالمي الجديد المناهض لفكرها، من ترامب إلى فيون الذي رفض لقاء محمد بن سلمان غير مرة قد يدفعها إلى اتباع سياسة جديدة. كما ان الموقف المصري المستجد تجاه سوريا قد ضرب سياستها السورية بالصميم. 
مصر التي خطت لنفسها طريقا مهما جديدا منطلقا من مصالحها ومداها الحيوي ومستقبلها (ذلك لم يعجب السعودية فظهرساستها في إثيوبيا!).
مصر اقتربت من الموقف الجزائري، حتى ان المتابع لا يكاد الان يفرق بينهما، لان المنطلقات واحدة (الحفاظ على وحدة سورية وجيشها وسيادتها ومحاربة الارهاب).
الأردن الذي يعيش ظروفا قريبة من الظروف التركية اقتصاديا واجتماعيا، ومن احتمالات موجة إرهابية مرتدة او نائمة تجلت في الكرك، لربما يفكر أيضا  بسياسة مستقلة تنطلق من مصالحه، لان الاستمرار في نفس السياسة سيضع الدولة الأردنية امام احتمالات التفكيك.
قطر لربما بعد اجتماع موسكو تسمع النصيحة وأكثر ولربما لا أحد يعول على استماعها .....
تركيا التي ذهبت إلى موسكو فهمت معنى  استرجاع حلب قبل الجميع، ولربما كان ذلك دافعها الأبرز نحو موسكو. كما ان واقعها الداخلي الذي أصبح شديد التعقيد ينذر بانفجار كبير منذ الانقلاب الفاشل وما رافقه من سياسات اقصائية لقطاع تركي وازن، إضافة إلى المسألة الكردية التي تنذر بانفجار وشيك، ناهيك عن الجو الطائفي الذي ساهم اردوغان نفسه في اشعاله. كما ان العقارب التي وضعها اردوغان في جيبه بدأت باللدغ بثلاثة عمليات قاسية خلال أسبوع (كيف بعد ادلب سيكون المشهد؟ )
إيران التي تريد التفرغ للملف النووي مع وصول ترامب ترغب في تبريد بؤر الصراع والمحافظة على المكتسبات التي حققتها من الأخطاء  الأمريكية منذ أفغانستان مرورا بالعراق، كما انها تريد تحويل الشراكة العسكرية او التحالف مع موسكو إلى شراكة وتحالف اقتصادي وكارتل نفطي غازي عملاق يكون ممتدا مع المدى الحيوي من ممر خيبر إلى الخليج والبحر المتوسط بشراكة روسية كاملة.
العراق شريك سوريا في المعركة ضد "داعش" وضد التقسيم يعيش ظروفا قاسية كسوريا، ولكنه يتشارك معها المصير والتطلعات نحو التخلص من داعش والاستقرار، ولربما يفكر البلدان بشراكة من نوع ما في هذا الاتجاه، وهنا يجب ان لا ننسى ان ثمة حلفاء لدمشق يقاتلون معها في معركتها ضد الإرهاب من منطلق وحدة المعركة والمصير. كما ان مصلحة العراق بالاستقرار في سوريا نابعة من أن الاستقرار سينعكس عليه ويوحد الجهود في المعركة ضد "داعش" كما أن التكامل الاقتصادي بين البلدين يعني ما يعني إخافة لكل المتضررين منه.
الكيان الصهيوني يراقب الأحداث عن قرب في الإقليم، فانتهاء النزاعات والاستنزاف ليس في مصلحته، ولكن تضاءلت قدرته على التدخل بعد الوجود الروسي، وان كان يسعى بعض الأحيان إلى محاولات تغيير الوقائع ولربما تستمر محاولاته من خلال تحريك جبهة الجنوب ومساندة الفصائل الإرهابية بشكل مباشر لتعزيز خلق الشريط العازل، كما ان لجوءه إلى العمليات القذرة والاغتيالات غير بعيد الاحتمال.
الصين التي ترغب بدور من منطلق الشراكة مع روسيا في المنطقة او من خلال فوائض الأموال للاستثمار، لديها رغبة في استقرار المنطقة لتعزز تواجدها وتعزز انخراطها، سيما بعد حركشة  ترامب لها في تايوان مع ما يؤسس ذلك من تسخين لملفات آسيا.
أوربا التي بدأت تفقد مناطق نفوذها منذ الحرب العالمية واستمرت بذلك نتيجة اختلاف الحجوم العالمية منذ ذلك الوقت من جهة، والسياسات الخاطئة من جهة ثانية، معنية بالاستقرار في سوريا من منطلقين رئيسين هما الهجرة والإرهاب، ومن منطلق ثانوي تعزيز الوجود الأوربي في سوريا من خلال الاستثمارات في مرحلة إعادة الاعمار.
كما انها تمتلك تخوفا مشروعا من ان يكون التقارب الروسي الامريكي على حساب مصالحها (لاتستطيع أوربا تخيل شكل عالم جديد من منطلق الشراكة الأمريكية الروسية وغير مستعدة له).
الأمريكان في مرحلة إعادة بناء الاستراتيجيات ومن مناظير مختلفة كما ان إعادة تقييم مصالحهم الإستراتيجية وتموضعاتهم العالمية تخضع لمراجعة عميقة في مؤسسات صنع القرار الامريكي. الرؤية الترامبية للعالم تختلف مع الاوبامية من حيث الأولويات، وربما لايمكننا انتظار تغيرات حدية في المراحل الأولى لترامب الراغب في محاربة الإرهاب كأولوية من منطلق الشراكة مع روسيا، ومن منطلقات أمريكية بحتة، ولكنه قد يكون عرضة لضغوط  اللوبيات لتغيير مساراته.
روسيا التي عززت مواقعها في المتوسط والمنطقة الممتدة من ممر خيبر حتى الخليج بالتحالف مع ايران، كما اصبح لديها قواعد مهمة ترغب في الحفاظ على مكتسباتها من جهة والاعتراف بأدوارها العالمية ومصالحها  من خلال مقاصة دولية تحدد احجام القرن الحالي كما تتلاقى مصالحها مع الولايات المتحدة في غير مكان، وان كانت تتناقض وفق المنظور العالمي الحالي. العودة الروسية الى قلب العالم جاءت بالانتزاع ،ومن البوابة السورية، ومن غير المتوقع ان تتخلى عنها بل ستعمل على تعزيزها من منطلق الشراكة والتفاهمات مع واشنطن، بعيدا عن الصراعات المباشرة، كما قد يخلق واقعا يسمح بالتسويات مع وصول ترامب.
من كل ذلك كان اجتماع موسكو لوزراء الخارجية الثلاثة غاية في الاهمية. 
الاهم فيه ان حلفاء سورية ليسوا في وارد التنازل بعد حلب، وان الرأي الأخير فيما يتوصلون اليه لدمشق (من يشكك عليه العودة إلى كل الاتفاقات السابقة والصراخات ان روسيا وإيران تخلتا عن حليفهما).
اجتماع موسكو لا يحضره وزير الخارجية السوري ولا وزير دفاعها، ولكنهما مواكبان بل وصانعان لأدق التفاصيل. 
(انظروا خريطة شويغو_ دهقان).
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي