ترامب.. بَشَر من تريد قتلهم في كوريا الشمالية!: أندريه فليتشيك *- ترجمة: علي إبراهيم

2017-04-24 07:19 AM ترجمات خاصّة
ترامب.. بَشَر من تريد قتلهم في كوريا الشمالية!: أندريه فليتشيك *- ترجمة: علي إبراهيم
حين أفكر بكوريا الشمالية، فإن أول صورة تمر في خاطري هي للضباب فوق السطح الهادئ والواسع لنهر تايدونغ بالقرب من بيونغ يانغ. أتذكر بشكل دائم عاشقين متشابكين بعناق رقيق لا أمل له تقريباً، جالسين متلاصقين على الضفة. كنت أشاهدهما كل يوم، أثناء نزهتي الصباحية. اليوم لم أعد أعلم إن كانت تلك الصور حقيقية أم أنها من نتاج مخيلتي، ذكرى حزينة عذبة عن كل ما ضاع، وعن كل ما كان يمكن أن يحدث، لكنه لم يتحقق أبداً.
في هذه الساعة، وبينما تبحر "ترسانة" دونالد ترامب نحو الصين وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، أتذكر تلك اللحظات: الجبل والعشاق والصياد الوحيد مع قصبة الصيد الطويلة في الجهة المقابلة من النهر. كل ما في ذاكرتي المتعلقة بساعات الفجر تلك ثابت وواضح.
أحياناً، أتساءل ما إذا كان لازال للكلمات نفس السلطة التي كانت لها سابقاً. في الماضي كانت قصيدة جميلة أو بوح أو إعلان عن الحب قادر على تغيير مسار حياة بأكملها، بل وتغيير مصير أمةٍ. لكن، هل هذا هو الحال اليوم؟ بصفتي كاتباً، غالباً ما أشعر بالعبث، بل وباليأس. مع ذلك فإنني، كأممي، أرفض الاستسلام للتشاؤم، وأحاول استخدام الكلمات كسلاح، أيضاً وأيضاً.
لقد تحدثت كثيراً من قبل عن كوريا الشمالية. عرضت صوراً. تكلّمت عن المعاناة التي توجب على هذا البلد تحمّلها. تكلّمت بشكل مستفيض عن الرمزية الضخمة- في المساعدة على تحرير وتعليم أجزاء كثيرة من العالم، بما فيها القارة الكبيرة والمدمرة إفريقيا.
لكن الدعاية المعادية لكوريا الشمالية ما زالت تسيطر.
دعوني أحاول من جديد، اسمحوا لي أن أحاول أيضاً وأيضاً وأيضاً :
"إن كوريا الشمالية بلد رائع، يسكنه بشر، يسري في عروقهم الدم. بالرغم مما رووه لكم عنه مباشرة أو بشكل غير مباشر، فإن هؤلاء الناس يشعرون بالألم وقادرين على الشعور بالفرح الغامر. مثل الناس الآخرين، يحلمون، يحبون ويكابدون الألم حين  تتم إهانتهم أو خيانتهم أو التخلي عنهم. إنهم يضحكون ويبكون، يتساعدون، يغضبون ويصابون باليأس أيضاً. عندهم آمال كبيرة بحياة أفضل ويعملون بكل كد لبناء مستقبلهم."
إذن، إسمع جيداً، أنت يا من تدير أو تشرف على ما تسميه "العالم الحر". أم هل يجب مناداتك بـ"الرئيس"؟ حسناً، أنت رئيس... لو أطلقت عليهم صواريخك التوماهوك (كما فعلت مؤخراً في سوريا)، أو لو ألقيت قنبلتك العاهرة "أم القنابل جميعاً" (كما فعلت للتو على جبل بائس مهجور في أفغانستان، فقط لإظهار شراستك، وقوتك التدميرية)، فإن أجسادهم سوف تتمزق، وسوف يموت الناس من المعاناة الفظيعة. سوف تتفجع النساء من اليأس وهن يدفن أزواجهن، سوف يجبر الأجداد على تغطية جثث الأحفاد بأغطية بيضاء، سوف تمحى أحياء وقرى بكاملها من الوجود.
بالطبع هذا ما تقومون به في كل مكان. تعتقدون أنكم أسياد العالم، المعتادون على نشر المعاناة والخراب في كل مكان. لكن اسمح لي مرة جديدة أن أذكرك وأن أكتب بكل وضوح: يمكنك تشبيه كل ذلك بلعبة فيديو مسلية أو ببرنامج تلفزيوني، لكن الحال ليس كذلك. كله واقعي، حين يضرب غائطكم أهدافه، ذلك أمر واقعي حقاً! لقد رأيت بما فيه الكفاية بل وأكثر!
أعلم أنهم لا يروون لك ذلك، وأنك لا تروي ذلك للآخرين.
يتم تصوير الكوريين الشماليين على أنهم يبدون ويتصرفون كأمّة من الرجال الآليين دون دماغ، مجردين من العواطف والميزات الفردية الجوهرية، ينظرون لكن دون أن يبصروا، عاجزين عن الإحساس بالألم والشفقة والحب.
أنتم لا تريدون رؤية الحقيقة، والواقع، وتريدون أيضاً أن يتحول الآخرون إلى عميان.
حتى لو حوّلتم جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية إلى أشلاء، فإنكم لن تروا في ذلك عملاً كبيراً، بل لن تروا شيئاً على الإطلاق: لا شيء سوى صواريخكم التي أطلقتموها من سفنكم وغواصاتكم، لن تروا سوى طائراتكم وهي تقلع من حاملات طائراتكم، سوى الصور التي تم توليفها عن انفجارات هائلة. لن تروا أي ألم، أي واقع أو أية معاناة: لا شيء سوف يحصل لك. لا شيء سوف يصل إليك ، لا أنت ولا مواطنيك.
إنه أنت الأعمى وليسوا هم.
في الواقع، أنت تحب ذلك، أليس ذلك صحيحاً؟ اعترف بالأمر. لنكن صريحين. والعديد من مواطني الغرب يحبونه أيضاً- هذه التجارب الجديدة المثيرة، هذه "التسلية" المجانية، هذا الفاصل المرحب به في حياتهم اليومية الروتينية، الفارغة، الرمادية، الخاوية من الحب والمغزى، في أميركا الشمالية وأوروبا. مئات ملايين المتفرجين المتسمرين أمام شاشات التلفزة. انخفضت شعبيتك، مؤخراً، أليس كذلك؟ كلما أطلقت صواريخ أكثر، كلما ألقيت قنابل أكثر، كلما أخفت واعتديت على بلدانٍ أكثر، كلما ارتفع "نصيبك من الشعبية" واتسعت قاعدة تأييدك.
أنت رجل أعمال، في نهاية المطاف. قواعد اللعبة بسيطة، وسهلة الحفظ: تمنح غالبية شعبك ما يرغبون به، وهم بالمقابل يقدمون لك الدعم والإعجاب. إنه أمر صحيح جداً، أليس كذلك، بعد تعريته من شعار "صحيح سياسياً".
وصف عالم النفس يونغ هذه الثقافة بـ"المرضية". لقد دمرت هذه الثقافة جزءاً كبيراً من كل القارات على الأرض. وهي تحاول اليوم الانتهاء من تدمير ما تبقى.
يبقى أن تعلم وأن تفهم وأن تكون واعياً بشكل كلي بما يلي: يمكن لك اليوم أن تحصل على الدعم السخيّ الواسع من مواطنيك المرضى عقلياً مثلك، لكنك لو قمت بتفجير جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية أو أي بلد آخر على وجه الأرض، أو في السماء العالية، ولو قدّر لنا أن ننجو بطريقة ما، فإن اللعنة ستحل عليك وعلى "ثقافتك"على مدى القرون والألفيات من السنين القادمة! فكّر بالأمر. إنه يستحق التفكير أليس كذلك؟
ربما لن تكترث بالأمر بكل جنون. على الأرجح لن تفعل. ولكن حاول فقط أن تفكر وتتخيل: سوف تدخل التاريخ كقاتلٍ جماعي منحطّ ومتعصّب!
***
هذا ما كتبته،منذ ثلاث سنوات، في وصف الذكرى الستون ليوم النصر في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية:
"بدأت الفرقة النحاسية بعزف لحنٍ عسكري. أردت التقاط صورة لامراةٍ عجوز، تزيّن صدرها الأوسمة والميداليات. وحين هممت بالضغط على زر التصوير، سالت دمعتان كبيرتان على وجنتيها. فجأة أدركت أنني لا يمكن أن أصورها، لا أستطيع حقاً. كان وجهها مليئاً بالتجاعيد، ومع ذلك كان شاباً وحنوناً بشكل لا حدود له. وقلت لنفسي "هذا هو الوجه الذي كنت أبحث عنه منذ زمن طويل". رغم ذلك لم أستطع الضغط على زرّ كاميرة لايكا التي أحملها.
بعد ذلك أحسست بغصّة شديدة و توجّب عليّ البحث عن منديل لأمسح نظاراتي التي أصبحت ضبابية و لم أعد أرى شيئاً. أطلقت نشيجاً حاداً، بكاء بصوتٍ عالٍ لمرة واحدة فقط. لم يسمعني أحد بسبب الموسيقا الصاخبة.
لاحقاً، اقتربت منها، وانحنيت لأسلّم عليها، فعلت هي الشيء نفسه. أحس كل منا بالسلام الداخلي وسط الساحة الملتهبة. فجأة أحسست بالسعادة لوجودي هنا. لقد فقد كلانا شيئاً ما. هي فقدت أكثر مني. كنت واثقاً أنها فقدت نصف أحبابها على الأقل خلال المذبحة التي حدثت هنا منذ وقت بعيد. أنا أيضاً فقدت شيئاً ما، والآن فقدت كل احترام وشعور بسبب انتماءي إلى تلك الثقافة التي لا تزال تحكم العالم، هذه الثقافة التي كانت ثقافتي فيما مضى، ثقافة سرقت وجوه هؤلاء الناس، وحرقت أجسادهم بالنار والنابالم.
إنها الذكرى الستون ليوم الانتصار في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. ذكرى تدلّ عليها الدموع، والشعر الأبيض، والألعاب النارية المدهشة، والعروض العسكرية و"ذكريات النار".
قضيت تلك الأمسية، بعد عودتي إلى العاصمة، على ضفة النهر. كان الضباب الناعم الكثيف يغطي النهر. رأيت عاشقين جالسين قرب الضفة، دون حركة، صامتين. كان شعر المرأة ينسدل بكل رهافة على كتف محبوبها. كان يمسك بيدها، بكل احترام. هممت برفع كاميرتي الضخمة المحترفة، لكنني توقفت فجأة خوفاً من أن لا تتمكن عدستي من عكس ما تراه عيناي أو ما يدور في خلدي."
هكذا أتذكر ذلك الحدث حتى الآن.
لقد قتل الغرب ملايين الكوريين الشماليين. كم هو عدد من سيموت منهم فقط لأنهم يرفضون الاستسلام؟  ما هو الثمن الذي يتوجب دفعه لعدم القبول بالخضوع للإمبراطورية؟ هل المطلوب مليون آخر، أم عشرة ملايين؟ أعطنا العدد، من فضلك. أنت رجل أعمال في النهاية، أعلن إذن عن رقمك، بكل نزاهة!
لم تهاجم جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية أحداً أبداً. أما الولايات المتحدة التي تدعي الآن أنها "مهددة"، فقد قامت بمهاجمة عشرات وعشرات البلدان، وقضت على حياة الملايين من الأشخاص، قضت على الحرية والديمقراطية والثقافات في كل أنحاء العالم.
هنالك صورة واحدة داخل رأسي، أرغب أن أشارك بها كل قرّائي، بالرغم من خطر الوقوع في العاطفة. لن أبالي، لمرة واحدة. لأن الوقت ليس وقت الأسلوب "المنمق والمهذب". إليكم الصورة:
في إحدى المرات، نجحت في الابتعاد عن الوفد الذي كنت في عداده. كان ذلك في العاصمة، بيونغ يانغ. مشيت ومشيت على طول النهر الضخم، مشيت في منتزه محاذ لتحصينات قديمة.
لمحت فتاة نحيلة، مع شريطة كبيرة في شعرها. كانت تنتعل حذاء أبيض. كانت الشمس تغرب.  كانت والدتها، وهي امرأة بسيطة لكنها جميلة، تحدثها. كان واضحاً كم كانت تحب وتدلل ابنتها. لم تكونا تلمحاني. كنت أراقبهما عن بعد. كان هنالك الكثير من الحنان والصفاء بين هذين الكائنين البشريين. كانت الأم تداعب وجه ابنتها، تشرح لها شيئاً وتشير بيدها إلى الأشجار. كانت تعابير وجههما توحي بالسكينة التامة، لا أثر للخوف، لا توتر، الحب وفقط الحب.
أكملت مسيري في المنتزه، حيث رأيت ثنائياً محاطاً ببضعة أشخاص. كانت جلسة تصوير عائلية. كان واضحاً أن الثنائي هما عروس وعريس. بعد ذلك، لاحظت أن نظارات سوداء كبيرة تحجب جزءاً من وجه الرجل. لقد كان ضريراً. من الممكن أنه تعرّض لحرق خطير خلف النظارات السوداء. كانت زوجته المستقبلية أكثر شباباً، كما كانت جذابة. كانت سعيدة! تتابع حديثها ضاحكة بسعادة. أصابتني الدهشة. في الغرب، يخون البشر بعضهم، ويفترقون عن بعضهم عند أصغر إعاقة، من أجل أكثر الأسباب أنانية. وهنا، امرأة شابة جذابة تتزوج، بكل الفرح، من رجلها الذي اصيب بجراح خطيرة، لكي يمكنهما السير سوية، جنباً إلى جنب، حتى نهاية حياتهما.
***
لقد رأيت الكثير في كوريا الشمالية بعد تلك الساعات التي أمضيتها في المنتزه.  زرت الحدود الأكثر تحصيناً على وجه الأرض. التقيت وتناقشت بمواضيع مثل الفلسفة و عن الغرب وكيف يحاول نزع الصفة الإنسانية عن أعدائه، مع يانغ هيونغ سوب، نائب رئيس اللجنة الدائمة في المجلس الشعبي الأعلى. كما تناقشت بالفلسفة وبالوجودية مع عالم اللاهوت والفيلسوف الكبير جون كوب داخل الباص الذي كان يقلنا من بيونغ يانغ إلى الحدود.
كانت هنالك "لحظات رائعة" خلال تلك الرحلة، احتفالات كبيرة احتفاءً بي. نظمت عروض وألقيت كلمات، مارشات عسكرية وموسيقا. ولكن، لا شيء ترك أثراً  عميقاً فيّ مثلما تركته تلك اللحظات في المنتزه. حيث رأيت الحنان العظيم من الأم تجاه فلذة كبدها. وحيث شاهدت الجمال الطبيعي، والبساطة والفرح بالحب، ممتزجاً بالصفاء والكرامة المشعة من امرأة تقترن مع شريكها الضرير والجريح.
هذه هي كوريا الشمالية، التي كان من حسن حظي أني رأيتها بأم عيني. هذه هي كوريا الشمالية، التي يريد مدير الشركة "التكفل بها"، أي بما يعني "تدميرها". وفي كوريا الشمالية أدركت، كما حصل في مناسبات عديدة، في بلدان أخرى، أنه لا زال يوجد الكثير من الحب على هذه الأرض، لن تستطيع أية بربرية، وأية همجية أن تنتصر عليه أبداً.
***
هذه المقالة ليست "لعبتي المعتادة". ليست في الفلسفة، وليست تحقيقاً صحفياً. لست أدري ماهي. ولا يهمني ما هي. لقد أردت فقط أن أتشارك بشيء ما مع قرائي: شيء أهتم به في هذه اللحظات، شيء يتحطّم ويصرخ ويثور ضد هذه الحالة.
الشيء الأكيد، هو أنني أريد أن أكون هناك، في بيونغ يانغ. أريد العودة إلى هناك، حتى لو لم يدعوني أحد.
إذا قرر هذا المشرف، هذا المدير، أن يهاجم، أريد أن أكون واقفاً ومتنبهاُ وجاهزاً، في وجه أساطيله وصواريخه. هكذا تماماً، مثلما كان الحال دوماً، أريد أن أكون بلا ملجأ ولا سترة واقية من الرصاص، فقط مع كاميرتي، مع قلم ودفتر جيب صغير، وتنين آسيوي صغير- تعويذة تجلب السعادة- في جيبي.
لن أخاف. ولا أظن أن غالبية الناس في كوريا الشمالية سوف يخافون. فقط أولئك المستعدون لارتكاب جرائم القتل الجماعي، أيضاً ودائماً، في كل مكان من العالم، هم من يتملكهم الخوف الشديد الآن. رعب يعيشونه في اللاوعي على الأقل، في جوهرهم على الأقل كما في جنونهم.
22 نيسان 2017
 
*أندريه فلتشيك، فيلسوف و روائي و سينيمائي وصحفي استقصائي أميركي من أصل تشيكي. ولد في لينينغراد. قام بتغطية الصراعات والحروب في عشرات البلدان. عاش فلتشيك متنقلاً في أميركا اللاتينية وإفريقيا واوقيانوسيا. وهو حالياً يعيش متنقلاً بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط ويتابع عمله في بقية أنحاء العالم.
المصدر:
http://www.globalresearch.ca/trump-in-north-korea-you-will-be-murdering-human-beings/5585833
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي