بريطانيا بين سياسة التفكير الرغائبي والتبعية العدوانية المزمنة!: نبيل نايلي

2017-04-29 15:42 PM صحافة عربية
بريطانيا بين سياسة التفكير الرغائبي والتبعية العدوانية المزمنة!: نبيل نايلي
“لو أجبرت ممارسات نظام الأسد الأمريكيين على التدخّل مجدّدا.. وفي حال طالبونا بالمساعدة، فأعتقد أنه سيكون من الصعب علينا للغاية أن نقول لهم لا”. وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون.
بعد تقرير لجنة السير جون شيلكوت، Chilcot inquiry، الذي استغرقت كتابته 7 سنوات! وصدر بعد أكثر من 13 سنة على غزو العراق والعودة به إلى “العصر الحجري”، ونتائجه المخيّبة التي اكتفت –رفعا للعتب- بتوجيه انتقادات رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، Tony Blair، ليس بوصفه مجرم حرب، وجبت احالته أمام القضاء الدولي العادل، وبعد التقرير البرلماني للجنة الشؤون الخارجية، The Foreign Affairs Committee، الذي وجّه “انتقادا شديدا” إلى رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، David Cameron، بسبب قراره التدخّل عسكريا في ليبيا في 2011، معتبرين “أن هذا التدخّل استند إلى”افتراضات خاطئة“! هذه الحكومة البريطانية تُعرب عن استعدادها مجدّدا “للانضمام إلى الولايات المتحدة في توجيه ضربة للرئيس السوري بشار الأسد دون الحصول على موافقة برلمانية”. ما دام “الامتياز الملكي”-والعهدة على صحيفة التايمز البريطانية- “يسمح لرئيسة الوزراء وللحكومة لـ”تقرير مسائل الحرب نيابة عن الملك، ولديهم الحق الدستوري لتقرير أين ومتى يجب اتخاذ إجراء عسكري”، وما دامت جريمة الحرب تنتهي دائما بمجرّد تقرير لـ”رفع العتب” لا ينتهي حتى بأبسط مساءلة أخلاقية أو قضائية! ناهيك عن المحاكمة وتتبّع مجرمي الحرب!
وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، Boris Johnson،  صرّح أخيرا “إذا كان للولايات المتحدة اقتراح بأن يكون هناك نوع من العمل العسكري ردّا على هجوم الأسلحة الكيمياوية، وإذا طلبوا دعمنا، ففي رأيي-وأنا أعلم أن هذا هو رأي رئيس الوزراء، أيضا، سيكون من الصعب جدا بالنسبة لنا أن نرفض.”
وردّا على سؤال حول ما اذا كانت الضربات البريطانية ضد سوريا ستحتاج إلى موافقة من مجلس العموم، أعلن جونسون “أعتقد أنه يجب إجراء إختبار. كيف ننفّذ ذلك تحديدا؟” فعلى الحكومة وعلى رئيس الوزراء أن يقرّرا. ولكن إذا كان الأمريكيون قد أُجبروا مرة أخرى على القيام بأعمال ضد نظام الأسد … وطلبوا منا المساعدة، سيكون من الصعب جدا أن نقول لهم لا “.
وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون كان قد أكد “أن رئيسة الوزراء تيريزا ماي، Theresa May، تشاطره موقفه هذا في حال “طلب الأمريكيون الدعم، مهما كان الحديث يدور عن إطلاق صواريخ مجنّحة من غواصات أو أي شيء آخر كما في 2013″.
صحيفة “ذا صن، The Sun” البريطانية، أكدت أنّ “جونسون يقاتل باستماتة أمام مجلس العموم البريطاني، من أجل تحقيق رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بتكوين حلف عسكري لتنفيذ ضربات صاروخية وجوية ضد قوات الأسد في سوريا”، متفاخرا بأنّ “وزير الدفاع الأمريكي أعلم بريطانيا بالضربة الصاروخية التى تم تنفيذها على مطار الشعيرات ، قبل حدوثها بأكثر من 24 ساعة”!
من جهتها، تسعى الحكومة البريطانية إلى استصدار موافقة من مجلس العموم البريطاني بانضمام بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ علميات قصف جوي لمخابئ السلاح الكيماوي الخاص بالنظام السوري. ذات الحكومة التي موّلت عمليات دعائية لجماعات سورية مسلّحة وحاولت في برنامجها المحلّي والخارجي إخفاء دورها. ذات الحكومة التي بينت حملة الدعاية لدعم المسلّحين، بدأت بعد فشلها في إقناع البرلمان، بالمشاركة في حرب عسكرية ضد النظام، مشيرة إلى أنه في خريف العام ذاته بدأت في برنامج سرّي، “يهدف إلى التأثير في مسار الحرب، من خلال تغيير مفاهيم المعارضة المسلحة”.
وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، The Guardian، فإن الوثائق “تظهر كيف دعت الحكومة البريطانية المتعهّدين إلى اختيار متحدّثين قادرين، كي يمثّلوا الجماعات المسلّحة  وليتحدّثوا بصوت واحد عنها، بالإضافة إلى توفير لقاءات ودورات تدريبية لقادة الجماعات المسلّحة المؤثّرين” حيث نُقل عن مصدر مطّلع قوله “إن الحكومة البريطانية كانت بالفعل تدير ما يسمّى “المكتب الإعلامي للجيش السوري الحر”!
ذات الحكومة التي لم تتورّع عن الكذب بخصوص الأطفال اللاّجئين، فقد أكدت منظمة “تاكت كير ،Tact Care” البريطانية، أن المملكة المتحدة لديها قدرة على استقبال 1300 طفل لاجيء إضافي، وليس 130 طفلًا فقط، حسبما زعمت وزارة داخليتها! التي تصرّ “على الاستمرار في قول الأكاذيب بشأن قدرتها استقبال الأطفال اللاجئين”، حسب ما يقول الرئيس التنفيذي للمنظمة، إندي إلفين، Andy Elvin.
هل يمكن لصانع القرار في سوريا التعويل والركون إلى ما ورد بصحيفة الغارديان البريطانية من “أن معظم سياسة بريطانيا الخارجية تقوم على التفكير الرغائبي، wishful thinking”، والخيال خصوصا أن بريطانيا “تشارك حالياً وتنفّذ ضربات جوية في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش”؟
أم إلى تأكيدات رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي اعتبرت أن هذه قضية “افتراضية لعدم وجود ضربات مقترحة على الطاولة ضد سوريا”. موضحة أنّ “ما هو مهمّ في سوريا هو ضمان أننا نعمل من أجل استقراره”؟
يختم الكاتب والمحلّل باتريك كوكبرن، Patrick Cockburn،  تقريره–محقّا- بأن “كلمات جونسون، ربما لن تؤدّي إلى شيء سوى بعض العناوين الرئيسية”، لكن اللّعب في مكان خطير مثل الشرق الأوسط يمكن أن يكون “عملا محفوفا بالمخاطر”!
عوّدتنا بريطانيا كما عوّدنا ساستها على “اللعب في الأماكن الخطيرة” وتتبّع السياسات الأمريكية بل وتبنّيها دون مساءلة أو دون حتى أن نتعظ نحن من اكتوى ويكتوي بمضاعفات هذه السياسات من الملف الفلسطيني مرورا بملف ليبيا فحرب الملهاة في اليمن وصولا إلى الأزمة السورية! ولعلّ هذا ما حدا بكوكبرن بالتعليق على تصريحات جونسون بشأن “مشاركة بريطانيا للولايات المتحدة في أي ضربات ضد نظام سوريا ردّا على الهجوم الكيمياوي، بأنه ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة لأن الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ الحرب العالمية الثانية كانت تحاول تعزيز مكانة المملكة المتحدة كأهم حليف عسكري للولايات المتحدة”!
الحليف-التابع الذي لا يتردّد في تبنّي السياسات الأمريكية مهما كانت مضاعفاتها! إقليميا وعالميا، ورغم خروجها من  الإتحاد الأوروبي وفشلها العسكري الذريع في كل من أفغانستان والعراق لذلك وجب التحسّب من التحاق بريطانيا بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني في العمليات العسكرية العدوانية.
لا شيء يوحي بأن الحكومة البريطانية –سمح مجلس العموم أم لم يسمح- ستردّد في تعقّب الخطوات الأمريكية في منطقتنا وهي التي عمدت دوما في منطقتنا وهي التي عمدت دوما إلى اعتماد نفس السياسات العدوانية الأمريكية ولا يمكن التعويل مطلقا على خلاصات تقارير الغارديان أو غيرها فسجلّ بريطانيا الأسود يغني عن أي تفصيل.
 
*باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.
 
المصدر: رأي اليوم

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي