إحسان الشمندي.. فنّان يشعل جذوة الخصب بركانًا دائمًا: محمد سعيد حمادة

2017-05-04 16:17 PM وميض
إحسان الشمندي.. فنّان يشعل جذوة الخصب بركانًا دائمًا: محمد سعيد حمادة
لا تبدأ الحكاية في اللون. لها تاريخها وأساطيرها المؤسِّسة الخاصّة، ولها جدائلها الممتدّة إلى طفولة متماوجة بين الكدر والحجر والتراب، ومتداخلة في الواقع والخرافة بكائناتها الغريبة ورواياتها اليقينية عند الجدّات، ولها أصلٌ معرفيّ، وإن بدا غائمًا أو غامضًا نتيجة لتداخل الثقافة السورية القديمة بالإغريقية وانسيابها في المسيحية واستيقاظاتها الإسلامية المتأخّرة التي لم تستطع الدعوة الجديدة القضاء على أرسطو كتجلّ إلهيّ وقلعة من قلاعه الفلسفية فيها كمثال عن تمظهر الكمونات الثقافية الأصيلة. اللون إذًا فلسفة قسرية تمارس انبعاثاتها في الإبداع، مقتحمة لاوعي المستخدم الفنّان الذي يقرّر عن وعي كامل ودراية مسبقة موضوعه الذي تتسرّب إليه انفعالات اللاوعي شيئًا فشيئًا، فيخرج المعنى متوالدًا معاني لا تنتهي من اللوحة وألوانها وتفاصيلها. 
 
هذه هي بالضبط حكاية إحسان الشمندي التي تشكّل معظم لوحاته المائلة ألوانها، في أغلبها والأكثر التصاقًا وحميمية بالرؤيا والرؤية، إلى الناريّ القادم من التاريخ وسرديّات المشافهة في أصفر الحصاد، والملتحم مع الأحمر المتمرّد العاشق، الحالم والشهوانيّ في الوقت نفسه.
 
إن طغيان هذا الناريّ على لوحات إحسان هو ميزة هذا الفنّان الذي يغلب تأمّله الفلسفيّ على عينه الباردة المجرّدة البسيطة؛ فهو ابن بيئة بركانية بازلتية سوداء صمّاء مائلة إلى قسوة غرانيتية كان من المفترض أن تطغى دُكنتها على ألوانه، لكن وهج البركان الأصليّ هو ما ظلّ يخطفه، فمسح لهيبُه حالاتِه وانفعالاتِه وتفاصيلَه المتقلّبة بين مفاتيح الأبواب القديمة المعلّقة بجدائل الجدّات وبين مسحة الغروب على تعبهنّ وإنهاك يومهنّ حينًا، وبين اشتعال الرغبات والشهوات والأحلام وتهدئة العقل لها حينًا آخر، وإن كانت جدائل الجميلات المغرقة في الشهوة فيّاضةً بمعانٍ ودلالات لا حصر لها من التوهّج والرغبة. هذا واضحٌ وبيّن في تفاصيل إحسان، لدرجة أنه عندما رسم نُصب "امتان" قريته في ريف السويداء الجنوبي كان الناريّ طاغيًا طغيانًا واضحًا، وكأنّ "امتان" على فوهة البركان الخامد للتوّ، فبان العمود الحامل للنسر في جزء من جذعه أميل إلى الأصفر الحصاديّ الحامل للتاريخ، أو هو ضوء النار في لمعانه العميق. هنا، لا بدّ من توضيح أن إحسان يأخذ الأصفر إلى أصله المعدنيّ، لذا يبدو ذهبيًّا، أو منتميًا إلى تدرّجات احمراره وصفرته، غير أنني أميل إلى تعبير الحصاديّ وقد أنضجه بتقنية الاستواء الكامل، أو المسلوق كلّيًّا، كما هو التعبير المرادف في البنيوية الصوتية التي لا تبالي بالنيّء والمشويّ، وهي مفارقة في بركانية ألوانه، ودليلٌ أيضًا على نداءات السرديّات التي تشكّل خياله وتبعث من أعماقه لونًا جديدًا هو لون الصوت حتّى في تهدّجه أو قسوة نبرته.
سأحاور هنا ثلاث لوحات لإحسان، عايشتهنّ وكنت برفقتهنّ: روح وجسد، ريتا، فنجاني، أملاً في عودة خاصّة إلى نصف حلم وخرافة وهلوسة وولوج وذاكرة وولادة ويقول العصفور، وهذه الأخيرة- يقول العصفور- تجنّبت الكتابة عنها لأنني سأبتعد كثيرًا عنها إلى خاصّي الجوّاني الذي تبعث مراراتِه في كلّ مرة هذه اللوحة "المريعة".
 
روح وجسد:
 
 
في روح وجسد تنصهر مدرحيّة عميقة وفاتنة تنكز تساؤلات لا تُحصر في كلمات، وتثير استفسارات أجوبتها فيها وإن كانت لا تجد مفردات تعبّر عنها.
 
أَوَتنحني سماء عليهما أم يضمّانها وقد سجدت كعاشقة أمام بهاء العناق بين النار وصلصالها؟
 
أم ارتفعا بلحظة وجْدٍ إليها، ولمسا خدّ غيرتها فأسدلت حياءها عليهما؟
 
أم أنك خلقت وسوّيت وأتممت نِعَم التلظّي بسحر التلوين الذي يستر ويماهي ويمغمغ واقع اللقاء بتورية الضوء يا إحسان؟
وما دامت اليدُ قدمًا في الالتحام الآسر الذي تمُوج به لحظة الخلق الحميمية، فلا حدّ للعبارات المتولدة منه، خصوصًا عندما يحاول صفاء الزرقة وارتخاء النشوة أن يزيح وهج احمرارها وقد بلغ منتهاه العذب. غير أن حرارة الشوق تأبى إلا أن تتكثف وتتماسك وإن مالت إلى وردية نشوة العاشقة وارتخائها ودكنة الصلصال في نهايات الأرب وقد بلغ ذروته لدى العاشق.
 
هذا السحر الأخّاذ، وإن مال إلى الترابيّ الملتهب على حساب السماويّ المتأمّل، يستحقّ بجدارة مغامرة السطوة والنهب. هذه الحميمية اللامبالية بخيالات البيوت القديمة وقوانينها التي تسطو على كلّ حميمية والتصاق منعتق بالضرورة منها تستحقّ تمثّلها في حيوات نختارها نحن ونلتهب فيها كلّ على طريقته في التوحّد والانبعاث، كي نجيب على أسئلتها الآنفة بالحياة، بلهيبها وفرحها وشجنها وحركتها وسكونها واقتناص لذّتها والارتعاش لنشوتها والخمود تعبًا وحيرةً وتنفّسًا في بلوغ ذروة جبلها والتحفّز المتجدّد للركض في سهولها ومروجها. هنا تتجلّى رائحة الربيع في تكوينات اللوحة وقد ظهرت جليّة بين الالتحام الناريّ وخيال البيوت، لتشكّل صلة الوصل الضاجّة بألوان الطبيعة كلّها وقد أخذت تدرّجات الأخضر والأصفر والبنفسجيّ في لون جديد هو رؤية الفنّان التي تربط بين تمرّد الالتذاذ بالحياة والواقع المُكرَه الذي لا سبيل له ولا حول أمام التمرّد وإرادة الحياة. هذه الرائحة هي تماوج الصوت وغباش ألوانه بين ذروة النشوة والواقع، وقد أعطاها إحسان هذا اللون الجديد الذي لا يمكن الإمساك به، وإنما الإحساس بحالته. ولا يستطيع الإحساس به إلا من استعاد لحظة خلقه وفرحه بالحياة وقد بلغ نشوته. ومن بلغ نشوته استحوذ الحياة كلّها وليس ألوانها فحسب.
 
روح وجسد، عالمٌ من الرغبة الحسّيّة، ومكتبة غير مرئية من الرؤى، وقد تداخلا وتمازجا بين اشتداد العشق ورغباته وبين أحلامه وأشجانه، فخرجت هذه الانسيابات للريشة في أبهى معنى يمكن تخيّله وفهمه والإحساس به.
 
ريتا:
 
 
ريتا.. مدينة كاملة محصّنة ومترامية الأطراف في الوقت نفسه، غير أن حدودها واضحة كذلك وكأنها حدود معرفية تسند الإيمان وتبارك مقدّسه، فالقمر والياسمين والناي والجديلة وملامح وجه الأنثى هي المدينة الأنثى التي تتشكّل في عمق اللهيب فتتجلّى ملامحها الذهبية في انبعاثات الضوء على الجديلة والشفاه وضهوج صوت الناي الذي يباري ثقوب توزيع اللحن ليفصح عن نفسه واضحًا في الياسمين الذي هو معناها وكنهها ورمزها، وقد نثر نفسه على دروبها واحتفى بمشيتها ووقع خطواتها، لتكتمل حالاته في سنابل غائمة غير واضحة المعالم، فيبدو خافتًا حيّيًا على حنين شبّاك يجهد ليبرز في الخلفية. 
 
في ريتا تتوالد أبعاد لا تنتهي من الالتياع والشوق والرغبة المتحفزّة وقد تشكّلت حروفها بكتفٍ عارٍ، وشَعر ضاجٍّ بصراخ الأنوثة، وشفتين ذابلتين هما شفاه كثيرة جفّفت القذائف محاولات العضّ عليها حزنًا أو أسفًا أو لوعةً أو إغراء ممزوجًا بلهيب يشبه لهيب القذيفة، وأنفٍ حادّ الاستقامة قاطع غير قابل لتأويل المساومة أو الارتخاء في التراجع إلى خنوع ما- أيّ خنوع، وجبين أسدلت عليه غُرَرُ دلالٍ تائهة في الحسن عذوبة تحمي تيهه وتحرس اشتباكه الوثيق بالقمر. هذه العلامات الحدود الجوّانية الخمس الأخرى المقابلة للحدود العامّة الظاهرة البروز في اللوحة أعطاها الفنّان ضوءًا دالاًّ على أنها أساس وأسٌّ مكوّن يستطيع متلقّو الطوابق العلوية وحدهم التدقيق فيها بعرفانية خاصّة هي نورانية بالتأكيد، كما هو بروز النور عليها بلمعان لونها وتجانس ضوئه.
 
هذه اللوحة قصيدة ملحمية طويلة، تلمّ شمل الشعر في أنواع قصيده مجتمعة، إذ تحضن قصيدة الطقس جُمَل المرئية، وتمسك المشهدية الوصفية بيد الرمزية الرؤيوية، وتفتح الرومانسية الثورية قلبها للواقعية؛ وهو ما لا يمكن للشعر الإمساك به، تستطيعه الموسيقا في بعض طفراتها العبقرية، لكن اللوحة تستوعبه وتبثّه كلّه في تغريدها اللونيّ، وقد أمسكت به كلّه ريتا وقادته إلينا مضاءً بمعانيه المقدّسة.
 
فنجاني:
 
 
لوحة كلّيّة.. تثبيت للالتصاق بين المعنى والطبيعة، جمعٌ للمعاني وأصولها وفروعها وتهيّؤاتها، محاولة لونية بارعة في اكتشاف الكُنْهِ، مسوّدة للحياة ضاجّة بفاكهة الفلسفة. لوحةٌ مرعبة، والرعب الظاهر الذي يُتلقّى منها أوّل وهلة هو نفسه حبّ الحياة وكُره فراقها، وقد طوّقه الفنّان بأزرق الأمل والتفاؤل في واجهتين علويّتين بارزتين وظلال مقطّعة في الأسفل لتشمل اللوحة كلّها، وقد برز أزرقها من خلال أوتار اللحن التي تشفّ في تفصيلها الثاني لتشتعل فيه وردة حمراء، وفي تفصيله الثالث التحتانيّ تنمو البذرة وتنضج من وجهٍ واضح الضوء للأنثى على شكل سمكة تصحو في مياه الحياة.
 
إن كنت قد سحبت على إحسان أن الناريّ يغلب على لوحاته، ففي هذه اللوحة يعيدني إلى صواب استخدام اللون ومعنى استخدامه وإن كان اللون قليلاً هنا أو واضحًا كثيرًا هناك. فاستخدامه للأزرق هنا وكأنه لم يستخدم سواه في كلّ لوحاته، وهذا ما يعيدنا إلى الفكرة الأصلية حول الاعتناء بالجذر- الفكرة- الرؤى التي تشكّل اللوحة في أساسها وتمسك بالريشة لتدقّق وتفصّل. 
 
باختصار شديد: إحسان الشمندي فنّان شاعرٌ يلتهب موسيقا وضوءًا ونارًا ومطرًا وربيعًا وحصادًا، ولا يعرفه الخريف، فهو في حالة خلق وتفتّح مستمرّ. ملتصقٌ بالحياة، ولذا لا يمكنه إلا أن يبقي جذوة الخصب مشتعلة على الدوام.
 
شكرًا إحسان.. شكرًا وقد أيقظت مكامن لغة مخبّأة، ما كانت لتتنفّس لولا أن لفحها وهج البركان الخارج من لوحاتك.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي