النقش في الفضاءات العميقة.. لوحة ‘صوت‘ للفنّان إحسان الشمندي: محمد سعيد حمادة

2017-05-31 16:15 PM وميض
النقش في الفضاءات العميقة.. لوحة ‘صوت‘ للفنّان إحسان الشمندي: محمد سعيد حمادة
يمسك إحسان هذه المرة بدلالات اللون كلّها ممزوجة بدلالات الصور السمعية لأصوات كثيرة، منها الخافت ومنها الصادح العالي، لكنها كلّها تشكّل حياة غاضبة مستنفرة على شاكلة الأصوات المتداخلة برأسه. صوت العقل وصوت العاطفة وصوت الذاكرة، وإن كنت ألامس في اللوحة بُعد أنه يريد نسف الذواكر كلها ليؤسّس لذاكرة جديدة مستقبلية تشبهه، بتطلّعاته وهواجسه وأحلامه.
 
اليد تقبض ولا تقبض، هي على وشك أن تفعل وتتردّد، لتقرّر أخيرًا أن تمدّ أصابعها لهمس النسيم والريح والعواصف وخطى الهواء المثقلة باحتمالاته وحالاته مجتمعة، ولهذا تقترن الأصابع المفتوحة بالمفاتيح الواضحة لما هو آت، فنرى الأصابع بألوانها المختلطة المحتارة مرة، وبنصاعة ظلال البياض فيها مرة، في محيط أقرب إلى الدكنة المشقوقة بإصرار الوصول إلى المفاتيح الفاتحة أسنانها للالتحام، فتقف الرغبة على جذوعها طيورًا متطلّعة إلى مدًى محقّق منظور، يعرفه صوت الرغبة ويراه، ولهذا تبدو الطيور، وإن اختصرها بواحد واضح، متأكّدة من وصولها إلى ارتجاف النشوة القادمة.
 
تحتاج كلّ حركة من الإبرة التي ينقش بها إحسان فضاءاته العميقة إلى بحث. أقول الإبرة لأنني لا أتخيّل كيف يمكن أن تدلّ لفظة "فرشاة" على هذا الحفر الرزين المجنون في عوالم الشعر والبلاغة والفلسفة والموسيقا. البحث الأخطر الذي يقابل المفاتيح والأصابع هو في مركزية النهد الذي يحتلّ منتصف اللوحة، لكنّه يبدو هو الذي ينفر باتجاه الأصابع التي تدير له ظهرها وتحاول القبض على غيره. فالرؤوس المتعدّدة التي في خلفيته لا تهمّه، فهو معشّش فيها وثابت، لكنه يريد الأصابع المجافية، ولهذا يتطلّع نافرًا ويجعل له سواعد وأدوات ليمسك هو بها هذه المرّة. يا للجنون الآسر يا نهد الرغبات الشبِق المشتعل الذي يخلو من الأنوثة ويتجرّد قاتلاً مجتاحًا محاربًا يأبى الانكسار والتهميش. لا أنوثة في النهود التي يرسمها إحسان، لأنه يحمّل الأنوثة في جذوع الأصابع والأجراس والنايات والسواعد والضوء الناصع للسيقان وعظامها المكسوّة بضوء خاصّ، أمّا النهد هذه المرّة فلا يفعل سوى ان يتحدّى التحدّي الذي صوّره الفنّان في مجافاته واللامبالاة التي ذهبت باتجاه آفاق أخرى.
 
يصل صوت إحسان الشمندي أصوات حياة تشرق عليها الشمس مروحةَ نسيم بارد لتهدّئ من اشتعالها وصخبها، وإن بدت الرؤوس حيادية متفرّجة إلى ما تفعله الرغبات، وكأنها تنصاع إلى حكمة الشمس. "صوت" لوحة بعالم كامل، فلسفة ورؤًى ورغبات وانفعالات وإرادة حبّ وشعر.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي