في التّسويق لـ‘مجلس تعاونٍ‘ (!) لمحور المقاومة.. هل علينا أن ننتظرَ ‘المفاجآت‘..؟؟!: د. بهجت سليمان

2017-06-11 02:20 AM مقالات ودراسات
في التّسويق لـ‘مجلس تعاونٍ‘ (!) لمحور المقاومة.. هل علينا أن ننتظرَ ‘المفاجآت‘..؟؟!: د. بهجت سليمان
ليس للإعلام والتّحليل السياسيّ تقاليدُ في ثقافتنا الممجوجة، حتّى اليوم.. ولقد كان حدثٌ ضَحلٌ وهزليّة مسرحيّةٌ، شيئاً كافياً لتنبري الآراءُ المخدوعة بذاتها والتي تعلّمت تسوّل اللحظة والابتزاز السّاذج لوكلائها الإقليميين، بالتّحليلِ الرشيق السّريع المناسب لمنعطفات والتواءات المظاهر الخادعة التي تتّخذها الحربُ في مسيرتها الاستهلاكيّة المستهترة، بأغلى ما يجب أن يكون مقدّساً من الحقوق الوطنيّة والإنسانيّة التي تُهرَقُ على مذبح هذا المسرح الفظيع.
لم يُعلنِ "الخلاف" السّعوديّ- القطريّ الذي كان صنيعةً من صنائع ترامب- أميركا، حتّى كانت بعضُ الأبواق جاهزةً للدّفاع عن قطر سياسياً ضدّ السّعوديّة، والاحتفال بالقوات التّركيّة المتوجّهة إلى قطر، والمديح الشّعائريّ في استقبال السّفن الإيرانيّة (ثلاث) المحمّلة بالغذاء إلى "الشّعب القطري" [من حديث تلفزيونيّ لشخصيّة إعلاميّة "مرموقة" (على "فضائيّة" صديقة..!!؟] بغضّ النّظر عن تاريخ من العداء الإعلاميّ المنظّم لقطر "الشّقيقة" اليوم..! 
هذا يصدرُ عن شخصيّات مرموقة في عالم الإعلام المقاوم..!!؟ فما الذي يحدث بحقّ؟!
في الآونة الأخيرة بدأ يظهر انزياحٌ استقطابيّ واضح في العلاقات المنظوميّة الإقليميّة، بتجاهلاتٍ نسبيّة وجُزئيّة تراكميّة ومتواليةٍ لمحرقة الحرب السوريّة، الحقيقية، حيث برزت شيئاً فشيئاً "أهمّيّاتٌ" جديدة في البعد عن المركز السّوريّ، وبتجاهلٍ مُخزٍ للحقائق التي قامت عليها ومن أجلها هذه الحرب. 
وكان الإعلامُ العربيّ الأكثر حصافةً ورزانةً هو الذي قام بهذه الانزياحة تحت عنوان "الموضوعيّة" الشّاملة لكلّ الإقليم الذي انخرط في هذه المعمعة، وراء عنوانٍ عريضٍ من الاستقلاليّة المسرحيّة للخطاب الإعلاميّ، في الوقت الذي كان فيه هذا الإعلام يقوم بدوره المأجور طبعاً، لإظهار وتظهير المواقع البديلة لبؤرة النّار المركزيّة في سورية. 
يفهم الجميع من المهتمّين والمراقبين كيف يؤدّي "الإعلام" وظيفته التّظهيريّة، لقوى ترغب أن تكون الأكثر حضوراً في مسرح السّياسة، الممتدّ إلى علاقاته العالميّة، ولو ضحّى بالكثير من "الأهمّيّات" الأخرى المشتعلة في مركز الصّراع.
وما إن بدأت اللعبة الأميركيّة- "الإسرائيليّة" في افتعال الخلاف غير المقدّس بين السّعوديّة وقطر، حتّى انحرفت الجُمَل والعبارات المقاومة، إلى خطابٍ يشتملُ على المضمون الفارغ لهذا الخلاف المزعوم، جاعلة منه خلافاً تاريخيّاً يتطلّب الاصطفاف السّريع للمواقف والتّحليلات البلهاء، لعمقِ الضّرورة التّاريخيّة الأكيدة التي يقوم عليها هذا "الصّراع"، والتي ستنتهي لاحِقاً، لتظهر سخريّة هذا "الحدث" الوظيفيّ الذي لا تتجاوز أهدافه صَرْفَ الانتباهات الكلّيّة عن الصّراع الحقيقيّ ضدّ ما يُسمّى (تجميلاً) "الإرهاب"..!
إنّ الأمر يتجاوز ما يُمكن أن نتصوّره من سَبقٍ إعلاميّ أو صُحفيّ في التّحليل السّياسيّ.. يكاد يكون البعضُ من المحلّلين مقرونينَ إلى ميقاتيّة سياسيّة تعلن الرّنين مُباشرةً، فورَ الوصول إلى أيّ منعطف يُريده أصحابها أوينخرطون فيه. 
وهكذا يختلط التّحليلُ السّياسيّ بالرّنين السّياسيّ المتناوب، الذي يحصد ثمار حربٍ لم يكن فيها هو الدّافعُ الأوّل أو الأخير لأثمانها من الدّماء والخراب الطائلَين.
من "حقّ" جميع الّلاعبين السّياسيين أن يستثمروا في حرب "الآخرين" طالما كانوا منخرطين فيها بشكلٍ أو بآخر، ولو بنسب تتفاوت وفق الموقف والموقع والمكان والزّمان والظروف الحاكمة. 
ولكنّه ليس من حقّ "المنظّرين" الذين يدّعون الانتماء، أن يتطاولوا على أصحاب القضيّة الذين يحترقون في أتون "الحرب" شبه وحيدين! 
عندها يجب أن يواجَهَ هذا الخطاب الإعلاميّ بحميّة سياسيّة وفكريّة، تستعيد تصويب السّمت الذي قام هؤلاء "الآخرون" الأغيار.. ويقومون بحرفه عن الهدف المركزيّ باستمرار. 
الهدف الأساس هو إنهاء الحرب على سورية، والصّمت والخرسُ عن التّغنّي ببطولات جيشها الذي صار مُرْهَقاً ومُرْهِقاً لهم. 
كفانا مزايدات صادرة من الغرف المكيّفة بالمال والهواء البارد المنعش العليل، والماء العذب الزّلال! وكفانا تنظيراً أكلت عليه الحرب وشربت ما طاب لها من الأرواح والبشر والحاضر والمستقبل الأليم!
تجري في هذه الأثناء "توقّعات" جازمة و"معلومات" استخباريّة.. (كما يوحي أصحابها، تباهِياً وتصنّعاً للموثوقيّة) ووعودٌ سخيّة على تحوّلات قطَريّة وتركيّة في استقطابات موهومة جديدة، تخدم "محور المقاومة" ضدّ المشروع الأميركيّ- الصّهيونيّ- السّعوديّ في المنطقة، هذا إن لم تكن من المحتمل أن تكون أعضاء واعدة فيه (!) وكأنّ تركيا وقطر أصبحتا جزءاً أساسيّاً من "محور المقاومة". 
هذا خطاب يفشى اليوم على شاشات محطات صديقة ومقرّبة أيضاً...!!!؟
وفي المناسبة نفسها يجري استبعادٌ مقصود لجوهريّة الحرب، كما يجري استخفاف واستهتار بالعقول الوطنيّة المتابعة ليوميّات الصّراع في لحظاته المتوالية باعتبارها هي "أمّ الصّبيّ وأبوه" أيضاً، فيما يتجاهل هؤلاء المسوِّقون لمظلوميّة قطر ولعقلانيّة تركيا "المفاجئة"(!) أنّ جميع العقلاء والبسطاء من المراقبين والمعنيين الحقيقيين بأثمان هذا الحرب ودافعي ضرائبها الرّوحيّة والجسديّة، يُدركون أنّ الأمر لا يتجاوز كونه أدواراً توزّع في كلّ ليلةٍ خفيّة على جميع الأطراف ليُعلنَ عنها في أوّل صباح!
وعلى الملأِ تتبادل قطر والسّعوديّة الاتهامات بدعم الإرهاب، فيما هما في الحقيقة تختلفان، اليوم، بجِدّ، على السّيادة على قرار دعم الإرهاب العالميّ المشغّل في سورية منذ سبع سنوات. 
الخلافُ على الدّرجة الأعلى من المأجوريّة والذّلّ، وليس على حقيقة وتاريخيّة الاندماج في المشروع اللقيط.
وبغضّ النّظر عن لعبة المصالح الإقليمية وارتباطاتها الدوليّة، التي علينا أن نأخذها دائماً بالاعتبار، فإنّه ليس علينا- من ناحية أخرى- أن نشكّل وعياً ثقافياً استلابياً أمام جميع المنقِّبين في "المِنْجَم السّوريّ" من سياسيين وإعلاميين وأصحاب مصالح أخرى على حدّ سواء. 
إنّ الأخطرَ أن تصبح سورية ساحةً لتجريب المشاريع الإقليمية أو العالمية فيها، ولوعلى حساب ما يعتبره الآخرون محرّمات عند دخوله في قاموسه الوطنيّ أو القوميّ أو الإنسانيّ.
تأخذ الحرب النوعيّة، عادةً، مسارات غير متكافئة، ومتعدّدة ومختلفة ومتنوعة أيضاً، إلى درجة لا تسمح فيها للمتنبّئين "الجَويين"(!) بتأليف المطوّلات المنسجمة والموثوقة والمضمونة على واقع تطوّراتها وتغيّراتها التي لا تُحصى؛ والحرب السوريّة هي تركيبٌ من الحرب النوعيّة والحرب الشّاملة والحرب العالميّة معاً وفي آن واحد..
ولهذا فإنّ على إيقاع التّفكير السّياسيّ والمواقف السّياسيّة، ألّا يأخذ شكلَ مسارات التّبدّلات ومنحنيات التّوابع المتعلّقة بظروف الصّراع. 
وعلى العكس فإنّ إحدى مهمّات التّفكير السّياسيّ أن يستقِلّ عن الوقائع اليوميّة للتّحوّلات، التي غالباً ما تأخذ شكلاً وظيفيّاً محدّداً في إطار النّزعة السّياسيّة الوضعيّة، المتعلّقة بالاستفهام السّببيّ، من أجل الإعداد للخطوة التالية أو للمرحلة المتّصلة، الأخرى، بالتّقريب السّياسيّ من الأهداف والغايات النّهائيّة للحرب. 
وليس على الثّقافة أو الفكر السّياسيّ أن يرتبط بهذه الجزئيّات التّضليليّة أو المُضلّلة، الّلهمّ إلّا إذا كان فكراً تآمريّاً مأجوراً مباشرة، أو مشروعاً مرتبطاً بجهات أخرى غير معنيّة أصلاً بتفاصيل وأسباب وأوجاع الصّراع.
لقد تقدّم الفهمُ الشّعبيّ السّوريّ للحرب، أبعدَ من تقوّلات المُحلّلين بالوظيفة بالقطعة أو بالجملة، ولهذا ربّما نشهد انحساراً سليماً لضجيج هؤلاء الذين شكّلوا في فترةٍ من فترات الحرب، سبباً في الخلل الثقافيّ السّوريّ الذي واكب مجريات المؤامرة، أو كان من أحد أسباب تخلّف نضوج التّفاعل مع لحظات الصّراع.
يميلُ البعضُ من هؤلاء المستثمرين بالكلمات، إلى ما يُمكن أن نسمّيه الحسابات السّريعة التي تلبّي حاجة السّوق الإعلاميّة، في ظرف "ديموقراطيّات" المحطّات والوسائل الإعلاميّة الأخرى. 
وليس على الوعي السّياسيّ السّويّ أن يكون، أبداً، رهناً باستثمارات هؤلاء، ولا طوعاً لمشاريع بعضهم التي تخدم "أجندات" غير وطنيّة.
ففي الميراث الوطنيّ السّوريّ، ما يكفينا من الوعي السّياسيّ والفهم الصّائب لتاريخيّة الصّراع على سورية وأسبابه المختلفة، وكذلك للصّراع السّوريّ على المغزى التّاريخيّ. 
هنا، في سورية، اندحرت منظومات للفهم والأهداف السّياسية، شكّلت عبئاً تاريخيّاً على حركة المجتمع العربيّ السّوريّ، بتطلّعاته الشّعبيّة المختلفة، إلى عصر نعيشه اليوم وإلى عصر سنعيشه غداً من كلّ بدّ. 
إنّ المحصّلة التّاريخيّة التي تشكّل الطّاقة الأساسيّة للمواجهة القويّة، في وجه التّحدّيات المطروحة أمام السّوريين اليوم، ما كانت لتكون إلّا صناعةً وطنيّة بمطلق هذه الكلمة، وبكلّ ما تحمله من اعتبارات ودروس. 
وعندما نقوم باستعراض التّاريخ المعاصر، فقط، ندرك أبعاد هذا الخطاب.
لا تشكّل سورية في التاريخ، ولن تشكّل أيضاً، فرق كمون مشاريع وأهداف الآخرين الإقليميين والدّوليين. 
وعلى العكس فإنّ على سياسة سورية نفسها، أن تستثمر في فرق كمون أهداف الآخرين، إذ لطالما كان "الجميع" رهناً بطموحات في سورية، ولطالما كانت سورية عقدة "الآخرين". 
وإذ يبدوهذا "الخطاب" على درجة من "القطريّة" فإنّنا لا يُمكن أن نفهم "الوطنيّة" السّوريّة المعاصرة، في ظروفها الشّارطة، إلّا انطلاقاً من خطاب جغرافيّ له بعدٌ قُطريّ أوّلاً، هذا إذا كان طَموحاً إلى أن يكون له فضاؤه القوميّ، ناهيك عن طموحاته الإقليميّة.
وعلى مسافة من الصّمت تقع كلماتٌ أكثر أهميّة (!)، أيضاً، عند الحاجة إليها في الوقتِ المناسبِ.. وفي المكان والزّمان!
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

علاء رستم