الشموخ.. أنصاف آلهة وأنصاف بشر: د. مضر بركات

2017-06-22 00:26 AM وميض
الشموخ.. أنصاف آلهة وأنصاف بشر: د. مضر بركات
لم أقضِ طفوتي في قصر.. ولم تكن لدينا سيارة مع سائق..، بل كغيري من أطفال جيلنا الخمسيني، وجدت نفسي في الصف الأول الابتدائي أجوبُ الزواريب وأقطع المسافات جيئةً وذهاباً بين المدرسة والبيت كل صباح برفقة أطفال الحارة، الذين ما زلت أسمع صدى ضحكاتهم ونحن نراقب ذلك البخار الذي كان يخرج من أفواهنا في أيام الصقيع بينما كنا نلهث ونحن نسير بخطىً حثيثة قافزين في الوحول بين برك المياه الصغيرة في تلك الأزقة غير المعبّدة الغارقة بمياه المطر..
 
أشعر اليوم كم كنت محظوظاً بتلك (الجزمة الكوتشوك) التي كثيراً ما كنت أناضل كي لا تعلق في الوحل، والتي كانت تثير غيرة رفاقي الذين لم يكن معظمهم يملك سوى (مشّاية) لا يحصل على غيرها إلا حين تكبر قدماه، فيورثها لأخيه الأصغر وهكذا إلى أن تهتريء..، وكانت مشايات رفاقي تمتليء بالماء والطين وغالباً ما نتوقف بانتظار أحدنا ريثما يتمكن من العثور على فردة مشّايته التي انغرست في بقعة (مخجيقة) وحلٍ عميقة..، ولا أنسى كيف كان علينا أن نغسل تلك الجزمة والمشايات لدى وصولنا إلى بركة المياه القريبة من المدرسة كي لا نتعرض للبهدلة الصباحية والحرمان من تحية العلم، إذا ما قرر المدير القيام بجولته المعتادة للتفتيش على النظافة..
 
لم أعد أذكر الكثير من تلك الخيالات التي كانت تدور في رأسي فتُنسيني لسعَ الهواء البارد وحبات المطر التي كانت تستهدف وجهي وأنا أجاهد كي أُبقي عينيّ مفتوحتين لأستكشف طريقي وأتجنب الانزلاق الذي يعني ابتلال كتبي ودفاتري وأن يكسو الوحلُ مريولي الأسود الوحيد الذي كانت والدتي رحمها الله تملأ جيبه كل صباح بـ (كمشة زبيب وجوز وتين يابس) وتودعني بابتسامة ما زلتُ أشعر بدفئها في أعماقي..
 
دفء ابتسامة أمي ووجهها الطيب لم يكونا ليُخفّفا كثيراً من هواجسي خشية الوصول متأخراً بعد قرع الجرس إيذاناً باصطفاف التلاميذ لتحية العلم.. فهي التي كانت تقول لي دوماً أن التأخير عن تحية العلم هو فألٌ سيء للتلميذ المجتهد.. لم أفهم ماذا كانت تقصد بالضبط.. لكني أدركت أنه أمرٌ سيء يجب ألا يحدث لي..
 
دينغ دينغ دينغ... صوت ذلك الجرس كان يجعل قلبي الصغير يخفق بشدة.. لم أكن أدرك لماذا علينا أن نرفع رؤوسنا عالياً وأن ندفع صدورنا إلى الأمام وأن نقف بـ(شموخ)، كما كان يردد المدير على مسامعنا كل صباح.. أذكر جيداً أنني لم أفهم معنى تلك الكلمة العجيبة (شموخ)، لكنّ وقعها كان جميلاً، وقد قال لي والدي أنها من الكلمات التي تليق برجال المستقبل.. أذكر أني حينها سرحتُ بخيالي باحثاً عن صورةٍ لهؤلاء الـ(رجال المستقبل) الذين تحدث عنهم والدي كما تحدث مدير المدرسة.. ولا أدري لماذا ارتبط ذلك التعبير في ذهني بتلك الحكايات المذهلة التي كان يقصّها علينا خالي عن أولئك الأبطال الجبابرة الذين كانوا أنصاف آلهة وأنصاف بشر، وكانوا يحمون قومهم ويقهرون خصومهم ولا يصمد في وجههم عدو، وقائدهم يحارب بيد واحدة لأنه يحمل الراية في يده الأخرى ويجب أن تبقى هذه الراية مرفوعة..، ورغم أني لم أفهم ما علاقة ذلك كله بتلاميذ صغار في الصف الأول الابتدائي، فقد كنت، بسعادة عارمة، أرفع رأسي عالياً وأدفع صدري إلى الأمام وأتخيل هذا الشعور الذي يسمونه (شموخ)، بينما أتابع دون أن أرمُش بعينيّ الصغيرتين مدير المدرسة يرفع العلم على السارية، هاتفاً فينا بصوتٍ عالٍ..: "النشيد الوطني يا أبنائي، مع بعض أيها الرجال الصغار، بدّي صوت يهزّ الأرض"..
 
وبصوت يهزّ الأرض ويشق عنان السماء ويمزق غيومها.. أو على الأقل هكذا كنت أتخيّل..، كانت تنطلق حناجرنا بالنشيد الوطني السوري الذي لطالما قضيتُ ساعاتٍ أُردّدُ كلماته على مسامع والدتي التى تابعتني أياماً حتى حفظتُه عن ظهر قلب، كي يحقَّ لي أن أكون تلميذاً في المدرسة، كما كانت تقول لي..
 
هكذا تربّينا على تقديس عَلَمِنا وجيشنا.. وكما كنا، ما زلنا وسنبقى نردد..: 
 
حماة الديار عليكم سلام.. أبَتْ أن تُذلّ النفوس الكرام..
 
ونحيّي بكل تقدير وإجلال جبابرة جيشنا السوري المقدس.. أنصاف الآلهة.. حماة الأرض والعرض، الذين ترجموا لنا ببطولاتهم وبأطهر المعاني تلك الكلمة العجيبة.. الشموخ..
.
 

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

عهد التميمي