لا تسألوني لماذا لم أغادر بلدي حتى الآن: د. جميل ركاب

2017-07-03 22:19 PM تواصل
لا تسألوني لماذا لم أغادر بلدي حتى الآن: د. جميل ركاب
لدي عشرات الأسباب وربما مئات... في الواقع لم أعدهم، لأغادر هذا "البلد العظيم"... وهذه الأسباب لم تتوقف عن الازدياد خلال سنين الحرب السبعة.
ففي كل مرة أذهب لمراجعة مؤسسة حكومية أو مخفر شرطة أو أي جهة أخرى... أشعر أن الحياة في هذا البلد صعبة وصعبة جدا والكثير من صعوباتها يتم خلقه من موظفين غير راضين أو آخرين متمردين ولا قانون ليردعهم... في كل مرة كهذه يولد سبب جديد.
وكذلك في كل مرة يتم التعامل معي أو مع أحد آخر أمامي بشكل غير لائق ممن يفترض فيهم أن يحموا الناس ويعززوا الانتماء في صدورهم... يولد سبب جديد للرحيل.
كذلك عندما يخبرني ابني الذي تعب للمرة الثانية في البكالوريا ليحقق الفرع الجامعي الذي يرغب به، بأن هناك في قرية واحدة من القرى التي تفتقد للمراقبة الحقيقية في امتحانات البكالوريا وتأتي إجابات اﻷسئلة مكتوبة أو تنقَّل للجميع من قبل أستاذ المادة ليدخل في سنة واحدة إلى الكليات الطبية عشرات الطلاب بينما قبل الحرب كانت تلك القرية تدخل طالبًا واحدًا كل خمس إلى عشر سنين تقريبا... وهذا مثال فقط.
وعندما عانى أيضاً في امتحانات البكالوريا من المراقبين الذين كانوا يفرضون عليه أن ينقّل الطلاب الآخرين أو يتجسسوا على ورقة الإجابة لديه لينقلوا معلومة لطالب آخر مما أدى إلى تشويشه...
وكذلك عانى من الطلاب الذين يمارسون البلطجة على زملائهم للحصول على الإجابات منهم... ولم تحل القصة من دون تقديم شكوى للتربية...
في كل مرة أسمع خبر استشهاد مدني أو عسكري...
في كل مرة أرى زوجة شهيد نحيفة فقيرة لا تستطيع أن تطعم أطفالها وهناك من يتاجر بمبلغ التعويض الخاص بالشهادة...
في كل مرة أجد مديرا فاسدا مفسدا ولا أحد يأخذ بشكواك عليه فيتمادى ويتمادى حتى دمار المؤسسة...
في كل مرة أرى أرزاق الناس تباع أمام أعينهم من قبل أرذالهم وزعرانهم...
و و و و و.......
لا تسألوني لماذا لم أغادر إذًا... فهنالك بالمقابل صورة موازية لهذه العيوب ولكنها تحتاج لمزاج معتدل ورؤية موضوعية كي نراها...
لا تسألوني لماذا لم أغادر فأنا نفسي لا أعرف.... ولكني كلما فكرت في المغادرة ظهرت غصة في حلقي وضيق في صدري ومشاعر من تأنيب الضمير تجاه كل انسان بسيط قرر أنه لن يسمح لأحد أن يهينه... سيموت في بيته وعلى أرضه ولن يكون خنجرًا في خاصرة وطنه...
وحضر إلى عقلي كل طفل لا يزال يذهب إلى مدرسته ويرغب ببناء مستقبل أفضل له ولأسرته...
وتسللت إلى دمي كل السموم التي نفثت وتنفث على بلدي وأهله...
ونخرت في عظامي كل الآلام والصقيع الذي يعيشها طفل في إدلب أو جندي سوري في البادية...
أنا بالتأكيد أحب أطفالي مثلكم جميعا وأتمنى لهم مستقبلاً مزدهرًا آمنًا يعمّه السلام والرخاء، ولكنني عاجز عن تخيل هذا المستقبل خارج هذي البلاد... لا أستطيع الرحيل لأن واجبي يمنعني وضميري يمنعني وإنسانيتي تمنعني...
لا أدري إلى أي مدى يستطيع ضميري وإنسانيتي وواجبي أن يمنعوني من المغادرة ولكنهم لا يزالون قادرين على ذلك حتى الآن...
سوريا لك السلام والمحبة... وليسودك العدل والقانون... وليعم العلم والتطور كل أرجائك.... سوريا يا أم المخلِّصين لك الخلاص.

التعليقات

كتابة تعليق جميع الحقول مطلوبة.




انقر هنا للتحديث: تحديث

الأخبار ذات الصلة

كاريكاتير

فلسطين للفنان إحسان الشمندي